اخر الاخبار

إذ ودعنا قبل أيام قلائل عام 2025، أجد من واجبي -ككاتب صحفي- أن أبدي بدايةً اعتذاري وخجلي الشديد للصديق الفاضل الكريم أبن البصرة البار مشرق (أبو حمزة) نسيب الرفيق سلام القرني سكرتير اللجنة المحلية لمحافظة كربلاء السابق، والذي غمرني ( أبو حمزة) بكرمه النبيل، ورتب لي برنامجاً ثقافياً سياحياً وترفيهياً شاملاً لقضاء أمتع الأوقات في محافظة البصرة، كما أبدي اعتذاري أيضاً للرفاق المناضلين البصريين في الحزب الشيوعي.. أقول أبدي اعتذاري وخجلي لهؤلاء الأحبة جميعاً لتأخري عن كتابة هذه السطور عما حملته من انطباعات جميلة سعيدة خلال الأيام القليلة الحلوة التي قضيتهم معهم في ربوع البصرة الحبيبة، ولم يكن هذا التأخير إلا لظروف صحية غير مستقرة مررت بها طوال العام الماضي.

ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي 2024 اجتاحتني رغبة عارمة لزيارة البصرة، وخابرت الرفيق سلام بهذا الأمر، فأرشدني مشكوراً على طيب الذكر " أبو حمزة" الذي استقبلني في مطارها، كما أصر على اصطحابي بسيارته إلى المطار نفسه وتوديعي بعد انتهاء الزيارة. ولعلي محظوظ للغاية بأجمل برنامج ثقافي رتبه لي حينما اصطحبني بمعية صديقه الخلوق حسين (أبو علي) زيارة إلى بيت الشاعر الكبير بدر شاكر السياب بقريته جيكور في "أبو الخصيب" وقد صُمم البيت وبُني على الطريقة العربية، وللأسف الشديد لا يحضرني في هذه السانحة اسم الشخصية الثقافية التي بادرت بشرح أركان البيت وغرفه، وقصة نشأة السياب فيه منذ نعومة أظفاره. وشاءت المصادفات الجميلة أن أتعرف تعرفاً عابراً في هذا البيت على ثلة من الرفاق المناضلين البسطاء الطيبين الذين كانوا بدورهم في زيارة للبيت، ولا توحي لك للوهلة الأولى ملابسهم الشعبية البسيطة بأنهم من قدامى مناضلي الحزب، بقدر ما توحي بأنهم شغيلة أو فلاحين. كما اصطحبني أبو حمزة بعد ذلك مباشرةً إلى منزل الأستاذ الفاضل ياسين صالح العبود، ( أطال الله في عمره) الذي شرفني بالتعرف عليه، والعبود للذين لا يعرفونه هو الصديق الصدوق لشاعرنا الكبير المرحوم السياب، حيث وجدت منزله في غاية البساطة والتواضع، وقضينا معه وقتاً ممتعاً في تجاذب الأحاديث عن ذكرياته مع السياب، وكم شعرت بالخجل الشديد الممزوج بالامتنان حينما أهداني العزيز الكريم الحاج طه ياسين الذي كان حاضراً اللقاء نسخته المهداة إليه من الأستاذ العبود من كتابه عن السياب الموسوم" سنوات في حياة الشاعر بدر شاكر السياب". حيث لم تكن في حوزة أستاذنا العبود حينها نسخ أخرى. كما كان الرفيق سلام خير مرشد لي أيضاً للتعرف على الرفاق المناضلين في البصرة، ومن أبرزهم الرفيق باسم محمد حسين "أبو محمد" الذي كان له دور كبير في تعريفي على الرفاق البصريين. ولا أنسى اصطحابه إياي لحضور إحدى الأمسيات في مقر أتحاد الأدباء والكتاب العراقيين الذي يقع مجاوراً تماماً لنهر العشار، المتفرع من شط العرب في منطقة نظران التراثية، وحيث كانت تعقد عندئذ محاضرة للرحالة الصحفي عبد المنعم الديراوي، تحدث فيها عن أهم رحلاته الأخيرة، وخصني والرفيق عبد الواحد البحراني (أبو علي ) بنسخة من كتابيه الماتعين " الطريق إلى أفريست" و " القبيلة الغامضة في جزر اندمان". والحال أني وجدت في محاضرته وكتابيه أن أنشطة الرحّالة ممتعة وتنطوي على فوائد جمة، سواء للشغوفين بهذا النوع من الهواة، أو عند قراءتك لنتائج رحلاتهم، فأنت مهما قرأت أو تزودت من معلومات عن بلدان وبقاع العالم فليس كمن يستكشفها بنفسه، وتتضح له مفاجآت لم يحسبها ولم يقرأ عنها مسبقاً، ناهيك عن أن خوض مثل ذلك النوع من المغامرات الجغرافية الإنسانية الشائقة يعود الرحّال على الصبر والجلد ذي النفس الطويل للوصول إلى البقعة أو البقاع المبتغاة. وعلى هامش تلك المحاضرة القيّمة تعرفت على عدد من كتّاب وأدباء البصرة. ومن المصادفات الجميلة خلال زيارتي للبصرة أن التقيت بالرفيق عبد الواحد البحراني (أبو علي)، وهو من قدماء مناضلينا في حزب " جبهة التحرير الوطني البحرانية" وكان قادماً من أهوار الأحواز و المحمرة عبر معبر الشلامجة. كما رتب لي الرفيق باسم زيارة جميلة في ليلة شتوية باردة حيث اصطحبني إلى شارع الفراهيدي الشهير حيث تُباع الكتب القديمة والحديثة، وبه أكشاك خاصة بإصدارات أشهر دور النشر العراقية والعربية، وقد عرفني هنالك على طائفة من أشهر كتّاب وشعراء وأدباء البصرة الذين تكرم بعضهم بإهدائي آخر إصداراتهم.كما كان لي الشرف أن تعرفت أيضاً على عدد آخر من الرفاق في السهرات الخاصة ذات المنادمات والتي تخللتها الطرائف والنكات، ومن أبرز هؤلاء الذين سعدت بالتعرف عليهم الرفيق عبد السادة البصري ( أبو فراس) صاحب عمود "ليس مجرد كلام" في الصفحة الأخيرة من "طريق الشعب"، وقد سعد عندما أبلغته بأني من القراء المواظبين بانتظام على قراءة عموده.. والرفيق أبو فراس كنت تعرفت عليه في مقر الأدباء، وهو من المغرمين بأغاني الفنانة اللبنانية الكبيرة فيروز، ويحرص مع إشراقة صباح كل يوم على موافاتي بباقة من أغانيها. وأنا ممتن للرفيق أبو وفاء الذي يوافيني صباح كل يوم بالحبابة طريق الشعب وكم سعدت بزيارة مقر الحزب في البصرة، وهو مقر معتبر يتكون من ثلاثة طوابق ويتصدر مدخله صورتا القائدين الشهيدين الخالدين فهد وسلام عادل، وإذ عرفني الرفيق باسم على مرافق وأركان المقر وبعض الرفاق المتواجدين وقت زيارتنا، فاتتنا فرصة الالتقاء بأعضاء قيادة اللجنة المحلية في البصرة إذ اعتذروا لنا عن لقائنا لارتباطهم باجتماع تزامن وقت زيارتنا. وأخيراً وددت أن أبدي توصية إلى كل من يعز عليهم دور ومكانة الشاعر بدر شاكر السياب بصفته شاعراً استثنائياً، و واحداً من أبرز رواد الشعر الحر، والذي كان فكر وطريق الحزب الشيوعي النضالي من أحد مكوناته الثقافية التي تأثر بها قطعاً، أياً كان خلافه ورأيه الخاص بعدئذ معه، ففي ديسمبر/ كانون الأول من هذا العام تصادف ذكرى مرور وفاته، حيث توفي عام 1964، وهو نفس الشهر الذي يصادف ذكرى ميلاده حيث وُلد عام 1926، وأحسب -إن كان الحسبان ليس إثماً لشخص مثلي غير عراقي، لكنه مُحب ومتيم بحب العراق وشعبه العظيم وحزبه المقدام "الحزب الشيوعي" أعرق حزب عراقي مناضل- أقول أحسب من الأهمية بمكان أن يُقام له احتفالاً أو مهرجانا ً يليق بمقامه وتلكما الذكريين. وأحسب أيضاً أن مؤسسة المدى للثقافة والإعلام والفنون هي المؤهلة لإنجاز هذه المهمة التخليدية الأدبية الثقافية. ولعله من المفيد في هذا السياق إعادة طبع كتاب صديقه الصدوق الأستاذ ياسين صالح العبود" سنوات في حياة الشاعر بدر شاكر السياب" لما له من أهمية في تنوير الأجيال الشابة والباحثين وطلبة العلم عن جوانب عديدة عن حياة هذا الشاعر الدراسية وحياته العامة الأدبية والأدبية والثقافية يجدونها في فصول هذا الكتاب.