اخر الاخبار

تتألف الحكومة السويدية اليوم من ثلاثة أحزاب يمينية هي (حزب المحافظين والحزب الليبرالي وحزب المسيحيين الديمقراطيين) ومدعومة من حزب ديمقراطيي السويد وهو حزب عنصري ذي أصول نازية. الحكومة، وبسبب حجم حزب ديمقراطيي السويد، تنفذ سياسة هذا الحزب المعادية للأجانب وللديمقراطية وتشكل خطرا كبيرا على مستقبل الديمقراطية والسلام الاجتماعي في البلد.

فعلى ضوء ما يحدث من عمليات السلق السريع للقوانين يصبح التساؤل مشروعا عن مصير الديمقراطية ودولة القانون في هذا البلد؟ الديمقراطية ليست مجرد فرق أصوات بين أغلبية حاكمة وأقلية معارضة، الديمقراطية الحقيقية كما نعلم تقوم على مؤسسات وعلى دولة قانون وعلى ثقافة مجتمعية. ما تقوم به الحكومة السويدية حاليا ما هو إلا انحدار واضح نحو تفكيك دولة القانون. هذا ما توصلت له 33 شخصية قانونية من بينهم أساتذة جامعات وقضاة سابقون في المحكمة العليا ضمن مقال في صحيفة (أخبار اليوم) بتاريخ 2026-04-29 تحت عنوان (جرس الإنذار يدق: أوقفوا تفكيك دولة القانون!). فالحكومة السويدية تسابق الزمن حاليا لإقرار أكبر عدد ممكن من القوانين قبل انتخابات أيلول المقبلة وهذا أدى، بحسب الحقوقيين إلى تجاهل متكرر لاعتراضات قانونية راسخة بل وحتى وصف هذه الاعتراضات أحيانا بأنها نشاط سياسي أو مجرد آراء. في السويد يمر تقليديا أي قانون جديد بعدة مراحل قبل أن يصل إلى البرلمان للتصويت عليه والهدف من كل هذه المراحل ضمان كون التشريع مدروس ويتوافق مع الدستور ولا يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية. العملية تبدأ عادة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة تدرس المقترح من كل الجوانب القانونية والاجتماعية والاقتصادية وحتى تأثيره على حقوق الأفراد بعد ذلك ينتقل المقترح إلى مرحلة الاستشارة حيث ترسل المسودة إلى جهات مختلفة مثل المحاكم والجامعات والهيئات الرسمية لتقديم الملاحظات والتحذيرات القانونية ثم تأتي مرحلة مراجعة من قبل مجلس القانون وهو هيئة مستقلة تضم قضاة من المحكمة العليا. صحيح أن رأي المجلس استشاري لكنه تاريخيا كان يحظى بثقة واحترام كبيرين داخل النظام السويدي. في النهاية يصل القانون إلى البرلمان. كل هذه الآليات ما زالت موجودة مبدئيا ولكن عمليا يقول الحقوقيون إن دورها بدأ يتأكل، من خلال تقصير فترات التحقيق والاستشارة والضغط لتسريع الإجراءات وتوجيه بعض لجان التحقيق بالاتجاه الذي يخدم الأجندة السياسية للحكومة إضافة إلى تجاهل أو التقليل من أهمية التحذيرات القانونية الصادرة عن الجهات المختصة أو عن مجلس القانون نفسه. أي أن ما تقوم به الحكومة اليمينية اليوم هو سلق سريع للقوانين خاصة وان موعد الانتخابات النيابية في السويد يوم 13 أيلول من هذا العام. هذه الاعتراضات القانونية لم تكن يوما مجرد آراء شخصية بل كانت جزءا أساسيا من عملية التشريع في السويد لأنها تستند إلى مبادئ راسخة جدا مثل منع إقرار القوانين التي تطبق بأثر رجعي وضمان المساواة للجميع أمام القانون. هذه السياسات بدأت تظهر فعلا وخصوصا في قضايا الترحيل التي طالت أطفالا وشبابا صغارا، إضافة إلى ازدياد الشعور بعدم الأمان لدى كثير من العائلات والمقيمين في السويد. لكن الحكومة تدعي أن ما يحدث هو ببساطة تنفيذ لإرادة الناخبين باعتبار أن هذه الأحزاب تمتلك أغلبية برلمانية. انتخابات 2022 الأخيرة منحت أحزاب اليمين الأكثرية البرلمانية بفارق ثلاثة مقاعد ولكن الآن مع وجود تسعة نواب مستقلين تصبح هذه الأغلبية أكثر هشاشة، هذا بالإضافة إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت تراجعا واضحا في شعبية هذه الأحزاب. حجة الأحزاب اليمينية بأنها تنفذ إرادة الشعب، يرد عليها الحقوقيون بالقول: الديمقراطية لا تعني أن تفعل الأغلبية ما تريد بلا حدود لأن هذا الفهم ما هو إلا تبسيط خطير لفكرة الديمقراطية خصوصا في وقت نشهد فيه تراجعا خطيرا لدولة القانون في عدة بلدان حول العالم، والسويد حسب القانونيين ليست محصنة ضد هذا الخطر وهنا نصل إلى النقطة الأهم، الديمقراطية ليست فقط حكم أغلبية خاصة عندما تكون هذه الأغلبية هشة، الديمقراطية أيضا هي وجود مؤسسات قوية وضوابط قانونية تحمي الأفراد من التعسف حتى عندما تتغير الحكومات وتتبدل المزاجات السياسية، ولهذا السبب فأن الديمقراطية ودولة القانون الديمقراطية متلازمتان. فإذا تآكلت مبادئ سيادة القانون، تضعف الديمقراطية. وإذا ضعفت المؤسسات الديمقراطية، تقوّضت سيادة القانون بدورها. واليوم، نشهد اتجاهات مقلقة في كلا الاتجاهين.

القوانين الجديدة التي تريد الحكومة إقرارها بسرعة تتضمن سلسلة من المقترحات الشاملة في مجالات كالهجرة والقانون الجنائي. تغييرات تُشكل مجتمعةً أوسع تحول شهده النظام القانوني السويدي في العصر الحديث. كما يُثار الحديث عن "تحول جذري" أو "إعادة توجيه" سياسي، لكن في الواقع، الأمر أكثر خطورة: إذ تضعف المبادئ الأساسية لسيادة القانون بوتيرة متسارعة، مما يُهدد بتقويض أسس سيادة القانون الديمقراطية. ويحدث هذا في الوقت الذي تُثار فيه الشكوك حول الآليات والهيئات التي يُفترض أن تعمل كشبكة أمان قانوني.