منذ أسبوعين تُشن حملة سياسية إعلامية ضد اليسار الفرنسي، ولا سيما حزب "فرنسا الأبية " اليساري، بزعامة السياسي المثير للجدل جان لوك ميلونشون. ففي الأربعاء الفائت، دعا كريستيان إستروزي، عمدة مدينة نيس اليميني، إلى استبعاد الحزب من التمويل العام. بل إنه اقترح، في حديثه لوسائل إعلام يمينية متطرفة، حلّ الحزب.
وقبل أيام، أعادت وزيرة المساواة في حكومة ماكرون، أورور بيرجيه، إحياء توصيف اليمين المتطرف "حزب معادٍ لفرنسا"، ودعت إلى فرض حصار على "المتشددين" قبيل الانتخابات المحلية.
خلفية الحملة
انطلقت حملة التشويه بعد وفاة طالب الرياضيات كوينتين ديرانك، البالغ من العمر 23 عامًا. في 12 شباط، احتجت مجموعة من النساء المنتميات إلى جماعة "نيميسيس" اليمينية المتطرفة على ظهور القيادية في حزب فرنسا الأبية ريما حسن أمام كلية العلوم السياسية المرموقة في جامعة ليون. تُجسّد النائبة الفرنسية الفلسطينية في البرلمان الأوروبي بوضوح نهج حزب "فرنسا الأبية" في التضامن مع الشعب الفلسطيني. وتُثير النائبة الشابة، البالغة من العمر 33 عامًا، الإعجاب والاستقطاب في آنٍ واحد. فقد اعتبرت هجوم حماس في 7 تشرين 2023 دفاعا عن النفس، مما أدى إلى تعميق الاختلافات في تحالف اليسار بين الاشتراكيين والشيوعيين والخضر وحزب "فرنسا الأبية".
يُعرف أعضاء جماعة "نيميسيس" اليمينية المتطرفة بسلوكهم الاستفزازي في التظاهرات النسوية؛ ففي ليون، رافقهم عدد من الرجال. وعلى بُعد بضع مئات من الأمتار، اشتبك متطرفون ملثمون ومناهضون للفاشية في معركة شوارع، تعرض خلالها القومي اليميني الكاثوليكي ديرانك للضرب المبرح، ما أدى إلى وفاته، متأثرًا بجراحه. وعلى إثر ذلك تم احتجاز سبعة متهمين، بينهم أحد العاملين مع النائب رافائيل أرنو من حزب "فرنسا الأبية".
تتراوح أعمار الشباب المتهمين بارتكاب جريمة القتل، بين 20 و26 عامًا، ويُعتقد أنهم أعضاء في حركة "جون غارد". وقد تصاعدت التوترات بين المناهضين للفاشية والعديد من جماعات اليمين المتطرف في الأشهر الأخيرة، وتمثل وفاة ديرانك أحدث تصعيد في هذا السياق.
لأكثر من عشرين عاماً، كانت مدينة ليون معقلاً للجماعات اليمينية المتطرفة، التي يُقدّر عدد أعضائها بقرابة 500. يمارس هؤلاء الإرهاب ضد المهاجرين، والطلاب اليساريين، والنقابيين. وفي السنوات الأربع الماضية وحدها، تسببوا في مقتل 6 مواطنين.
في عام ٢٠١٨، كان النائب رافائيل أرنو من بين مؤسسي منظمة "جان غارد" المتشددة، التي كانت تعتبر نفسها، حتى حلّتها وزارة الداخلية في حزيران ٢٠٢٥ بتهمة تمجيد العنف، حركة "مختلفة" عن حركة مناهضي الفاشية، وكانت تضم قرابة ٢٠٠ ناشط، وتعتبر نفسها امتدادا لنضال شبيبة الحزب الاشتراكي في ثلاثينيات القرن العشرين، ضد الفاشية والستالينية والرجعية. وكان ميلونشون قد زار عام 2023 المخيم الصيفي للمنظمة وأعرب عن تضامنه معهم.
دعوة لتعزيز مكافحة الفاشية
نشرت جريدة اللومانتيه اليسارية بيانا قيما، رد فيه مئات المثقفين الفرنسيين على الهجمات الإعلامية والسياسية التي يواجهها اليسار الفرنسي في أعقاب مقتل الناشط اليميني المتطرف كوينتين ديرانك. وقع البيان، بين آخرين، الحائزة على جائزة نوبل آني إرنو، والفائز بجائزة غونكور إريك فويار، والمؤرخة صوفي وانيش، والفيلسوفان ديدييه إريبون وجيفروي دي لاغاسنيري، والكاتب إدوارد لويس.
"واكد البيان: "نعيش في أوقات عصيبة، حيث تشهد فرنسا ليس صعود اليمين المتطرف المؤسسي فقط، بل أيضاً تحولاً يمينياً متطرفاً في الإعلام والخطاب السياسي، فضلاً عن تصاعد العنف في الشوارع"، ولا يمكن مواجهة هذا الخطر إلا "إذا تضامن المعسكر المناهض للفاشية ووقف بحزم لمنع انزلاق البلاد إلى أسوأ الأوضاع".
وعبر البيان عن الحزن العميق لوفاة الشاب اليميني كوينتين ديرانك، لكنه يرفض صراحةً التفسير السائد. ويؤكد: "إن الموت العنيف لشاب في الثالثة والعشرين من عمره أمر غير مقبول اطلاقا، ونحن نشعر بالرعب منه. منذ هذه المأساة، شهدنا بذهول محاولات إسكات اليسار والجماعات المناهضة للفاشية، سواءً اليسار البرلماني أو الحركات الاجتماعية". و"لقد تبنّت وسائل الإعلام الرئيسية والحكومة وجزء كبير من الطبقة السياسية تفسير دون تدقيق. ان السماح لليمين المتطرف بفرض تفسيره للأحداث، يعبر عن موقف غير مسؤول، لأنه يصب في مصلحة اليمين المتطرف ويدعم مناورة تهدف، ولأول مرة منذ التحرير (1945)، إلى عكس أدوار الفاشيين والمناهضين للفاشية".
وبدلاً من ذلك، يدعو المثقفون إلى التضامن ضد التعبئة اليمينية: "مهمتنا ليست البكاء مع المتطرفين والضغط على الحركة المناهضة للفاشية أو حركة فرنسا الأبية. ومن الضروري التكاتف والإشارة إلى الأرقام: العنف السياسي يأتي أساسا من اليمين المتطرف. ان 90 في المائة من ضحايا الاغتيالات السياسية بين عامي 1986 و2021 تنسب لهذا التيار السياسي". ويؤكد المثقفون على ضرورة التحرك "بأعداد كبيرة" ضد شيطنة مناهضة الفاشية، وبالتالي رد الاعتبار للفاشية".