الحلول التي نوقشت في الفعاليات الرئيسية لمؤتمر ميونخ للأمن كانت تهدف أساسا إلى رفع وتيرة التسلح في ألمانيا وأوروبا. وبالمقابل، كانت المقترحات الرامية إلى تعزيز النظام الدولي، كاستثمارات في الأمم المتحدة أو منظمة الصحة العالمية، اللتين تواجهان أزمة مالية وجودية، قليلة ونادرة. وكان الاستثناء دعوة ممثلي الصين إلى تعزيز الأمم المتحدة والتعددية، مما أثار شكوك الغرب حول وجود أجندة خفية وراء ذلك.
أولوية الأرباح
وقدّم خبراء اقتصاديون استراتيجيات تهدف إلى تسريع تطوير صناعة الأسلحة. ويتضح جليًا دافع الربح لدى الشركات الرأسمالية، والروابط الوثيقة بين الصناعة والسياسة، باعتبارها القوة الدافعة وراء إعادة التسلح. وتُعدّ شركات تصنيع الأسلحة الرئيسية من بين الرعاة الرسميين للمؤتمر.
لقد تحدث رئيس المؤتمر، فولفغانغ إيشينغر، في كلمته الافتتاحية عن خطر انتشار السلاح النووي، وناشد الدول النووية الالتزام بتعهداتها بنزعه. ووجّه رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، تحذيرًا شديد اللهجة بشأن مخاطر الأسلحة النووية، ودعا إلى نزع السلاح. وذكر أن من الخطأ أن تخطط الولايات المتحدة وحدها لإنفاق 946 مليار دولار أمريكي على تطوير وإنتاج الأسلحة النووية في السنوات المقبلة، وهو مبلغ كفيل بإنهاء الفقر المدقع في العالم.
وأعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن خطط لإنشاء قوة ردع نووية أوروبية مشتركة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. من شأن ذلك أن يؤدي إلى خرق ألمانيا لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واتفاقية "اثنان زائد أربعة" بشأن إعادة توحيد ألمانيا. ومن المرجح أن يكون ذلك الضربة القاضية للنظام الدولي لمراقبة نزع السلاح النووي. إن استمرار انتشار الأسلحة النووية في المزيد من الدول سيزيد بشكل كبير من احتمال وقوع كارثة.
قوة تدميرية
عند انفجار صاروخ نووي واحد بقوة 100 كيلوطن فوق مدينة ميونيخ، على سبيل المثال، سيلقي قرابة 200 ألف حتفهم على الفور، وسيصاب 400 ألف آخرون بجروح خطيرة. وسيُدمر مركز المدينة تدميراً كاملاً، وستنهار معظم المباني ضمن دائرة نصف قطرها ستة كيلومتر، نتيجة لقوة العصف الهائلة. وستكون درجة حرارة مركز الانفجار أعلى من حرارة سطح الشمس. وستؤدي الحرارة والضغط إلى عواصف نارية تهلك معظم الناس. وستُدمر غالبية المستشفيات والبنية التحتية. وسيصبح تقديم المساعدة الفعالة أمراً مستحيلاً. وسيموت الناجون بسبب التسمم الإشعاعي الحاد في الأيام والأسابيع التي تلي الانفجار.
وما يجعل الخطر محدقا، وجود 1800 رأس نووي ما تزال في حالة تأهب قصوى في الولايات المتحدة وروسيا، يمكن إطلاقها في غضون دقائق. لذلك تحذر الجمعية الألمانية للمعلومات، خاصةً في أوقات التوتر السياسي الشديد، من اختلاط الإنذارات الكاذبة بسهولة مع الإنذارات الحقيقية، مما قد يؤدي إلى هجوم مضاد.
ان خرافة ما يُسمى بالأسلحة النووية المحدودة، وهي أسلحة نووية تكتيكية ذات قوة تفجيرية "منخفضة"، ستحد من المخاطر، هي الوهم بعينه، فالمناورات الامريكية بينت إن فقدان السيطرة، والدخول في مواجهة نووية بعد استخدام سلاح نووي محدود أمرٌ وارد جدا. ولا وجود لما يُسمى بحرب نووية "محدودة". حتى استخدام أقل من ثلاثة بالمئة من الأسلحة النووية في الترسانات العالمية كفيلٌ بحصد أرواح أكثر من مئة مليون انسان في أوروبا على الفور. وسيؤدي تصاعد دخان المدن المحترقة إلى تلوث الغلاف الجوي لسنوات، مما يُسبب برودة عالمية وتلفًا في المحاصيل. وسيموت أكثر من ملياري انسان جوعًا.
ووفقًا لاستطلاع رأي أجراه المكتب الاتحادي الالماني للحماية من الإشعاع، يخشى 58 بالمئة من المشاركين استخدام الأسلحة النووية. وعلى الرغم من ذلك تغيب حركة سلام مؤثرة، نتيجة فقدان الحس السليم بالخطر الداهم. ومع نهاية الحرب الباردة، اعتقد معظم ناشطي حركة السلام أن المشكلة قد حُلت، بالإضافة إلى تأثر لرأي العام بشدة بالتبريرات السياسية لمراكز السلطة ومعاهد البحوث التابعة لقطاع صناعة الأسلحة
ما العمل؟
من الضروري مناقشة عامة وعاجلة لخطة نشر صواريخ أمريكية بعيدة المدى في ألمانيا بدءًا من هذا العام، دون عرض القضية على البرلمان الاتحادي الألماني، عندما اتخذت الحكومة الألمانية السابقة القرار في عام ٢٠٢٤. وتخضع العديد من القرارات في قطاع الأسلحة للسرية. ولهذا كان على مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي تموله الحكومة الاتحادية بشكل كبير، إشراك الرأي العام بشكل أكبر في هذه القضايا المصيرية.