عبّر الناقد الكبير د. حسين سرمك حسن ، عبّر عما تركه النواب من أثر في الشعر الشعبي بأنه ثورة نوابية ، هي ثورة بحق وحقيق ، لأنها غيرت شكلا ومضموناً، ومن ثمرات هذا التغيير بروز جيل من المبدعين كان ابداعهم ثورة حملوا رايتها، وكل منهم ترك بَصمتَه الخاصة، كطارق ياسين وعريان السيد خلف وكاظم اسماعيل وعلي الشباني، وكاظم غيلان و .... والقائمة تطول، ومن هذه النجوم نجم تميز بتفرده، وهو كامل الركابي الذي لم ينل – كما أرى- من النشر والانتشار ما يوازي ابداعه وتميزه، إذا ما قارناه بمجايليه ، إذ لم تتناوله دراسات كاشفة مناجم ابداعه وتفرده، والحصول على دواوينه غير متيسر، وكاتب هذه السطور بحث عن عمل من أعماله في مكتبات المتنبي فلم يظفر بواحد منها.

تميز شاعرنا بشخصية مبدئية ، فهو على طول المدى ( ما وسّخ ماعونه) ، ولذلك عانى ما عانى متنقلاً هنا وهناك حتى استقر به المقام مغترباً في السويد بعد أن أدى دوره المشرف في حرب الأنصار ضد الدكتاتورية إذ كان مشرفاً على المكتبة مما أكسبه ثقافة تمتاز بالتنوع والعمق ، وحياته سلسلة من المعاناة والتضحيات التي لم ينحنِ لها عودُه، هذه السمات الشخصية سنجد صداها واضحاً في نماذج من شعره الذي تنشره – مشكورة- صفحة أدب شعبي في طريق الشعب.

أول ما يلفت الأنتباه في شعر الركابي ، هذه الغرابة التي تطالع المتلقي ، وهي إن دلت على شيء ، فإنما تدل على أن المبدع يطرق بابها ليفتح أمام المتلقي باب تفاعل وانفعال للوصول الى روح النص بعيداً عن المباشرة التي تُفقد الشعر شعريتَه :

( كل دقيقة تجي براسي ترعد وتمطر سحابه

الغيم دايم والمطر ينزف عذابه

بروحي وَتْبلل عذاب

يمشي ويظل مايه بعيوني سراب )

فالصورة جديدة متماسكة يشد بين خطوطها وألوانها خيال مجنح بعاطفة تمنح الشعر حرارة تنسجم مع ثريا النص ( الذهان) ، وتنسجم مع النص كُلاً لا بعضاً ، والركابي يواكب مستجدات الشعر فناً ، فيكتب الومضة مستوفياً شروطها في التكثيف ، وكسر أفق التوقع :

( وتفتكر سرك عميق ؟

الناس كلها اتشوفه

وجهك حقل حنطه

وشبْ حريق)

أما مبدئيته ، فهو معتز بها كونها سمة تلازم شخصيته التي تأبى إلا أن تكون صادقة مع ذاتها، معبرة عن جوهرها :

(أنسجم : إيْ

ابتسم : إي

من أشوف الابتسامة

اتطرز شفافك بخيط من الندى وترسم علامه

افتهمْ: إي أفتهم كل المعاني الحلوة بعيونك وسامه

أنكتم : لا

حتى لو تفرش بدربي من الزمرد والعقيق

انا مو خاتم بصبعك يا صديق )

فالشاعر يصوغ لُقىً مستلة من روح العصر والحداثة ، إنها تجسيد لمعاناة شاعر حمل الوطن في قلبه حتى تشرب في كل مساماته عاطفة وفكراً لكنه حصد الملاحقة والغربة المفروضة عليه ، لذلك يعوض عن هذه المعاناة بالحلم معادلاً موضوعياً لكل خساراته :

(أحلم ...

واعيد الحلم نفسَه

وعيوني جن خرسَه )

لا نستغرب إذا ما جنحت مخيلة الشاعر الى غرابة المعنى بتراسل الحواس ( وعيوني جن خرسه) واللجوء في نصوص أخرى الى الاقتراب من سوريالية فيها ما فيها من تشابك وتداخل وغرابة تعبيراً عن كل جديد ، وقد أشار الشاعر الى هذا المعنى في مقابلة حاوره فيها عبد الباقي فرج نشرت في صفحة أدب شعبي في طريق الشعب / العدد 114 ، قال فيها : ( القصيدة وقد خلعت عنها رداء الوطن – الطفولة -، ظلت ساهرة تبحث عن تشكيل آخر للوطن الحلم)، ونحن نحلم بأن يحقق الشاعر ما نصبو إليه ، بطبع اعماله كاملة ، ليطلع الجمهور على فرائد الشعر من مثل قصيدة (الناسي) و (المغارة) و .. وغير ذلك من هذه الابداعات التي لولا صفحة أدب شعبي ، لظلت حبيسة أفق ضيق لا يستوعب عصف وحلاوة وعمق ما فيها من ابداع .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

*كل الاستشهادات مأخوذة من صفحة أدب شعبي في “طريق الشعب” الغراء .

عرض مقالات: