اخر الاخبار

وُلد الشاعر والكاتب والصحفي العراقي زهير الدجيلي عام 1937 في مدينة الشطرة بمحافظة الناصرية، وفيها عاش سنوات النشأة والدراسة الأولى، قبل أن ينتقل إلى بغداد ويبدأ مسيرة امتدت بين الشعر والصحافة والإذاعة والتلفزيون.

بدأ الدجيلي كتابة الشعر الشعبي مبكرًا، ونشر قصائده منذ ستينيات القرن الماضي، قبل أن يصبح واحدًا من الأسماء المعروفة في كتابة الأغنية العراقية. وغنّى من كلماته عدد من أبرز مطربي العراق، بينهم سعدون جابر، وياس خضر، ومائدة نزهت، وفؤاد سالم، وفاضل عواد.

ومن أشهر ما ارتبط باسمه أغنية "يا طيور الطايرة" بصوت سعدون جابر، وهي واحدة من الأغنيات التي بقيت حاضرة في الذاكرة العراقية، بما حملته من إحساس بالغربة والحنين إلى الوطن.

لكن تجربة زهير الدجيلي لم تتوقف عند الشعر، إذ عمل في الصحافة العراقية، وتولى عام 1969 رئاسة تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون، كما عمل في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، قبل أن تتوسع تجربته إلى كتابة السيناريو والبرامج التلفزيونية.

وكان للأطفال نصيب كبير من إرثه؛ فقد كان أحد كتّاب البرنامج العربي الشهير "افتح يا سمسم"، وكتب عشرات الحلقات والأغاني له، كما شارك في كتابة وإدارة برنامج التوعية الصحية "سلامتك"، إلى جانب أعمال تربوية وتلفزيونية.

كان زهير الدجيلي طاقةً متفردةً من الحزن والفرح، ومنبعًا مذهلًا لمساحات الأمل والألم. كان فريق عمل متكامل ومتجانس في جسد واحد. لا أعرف كيف استطاع أن يمدّ بشريط الساعة كي يكفيه لإنجاز عمله؛ وكأن الوقت ملكه، أو أن الزمن شيء مطاطي يستطيع أن يأخذ منه ما يحتاج إليه.

لن أتحدث كثيرًا عنه؛ فأعماله وإنجازاته في مجالات المعرفة، بتوجهاتها المتنوعة ثقافيًا، تجعلك تقف حائرًا، مذهولًا، فرحًا. فهو الذي أنجبته روح رحم هذه الأرض، وألقته في قلب شارع الهوى. وهو، في كل الأزمنة والأماكن، ابن أمه العلوية، إرثًا مشرفًا للمرأة العراقية (أم سعد)، ولها نسب وحسب مع الشعر والأدب العراقي.

كانت بواكيره مع كاظم شناوة وصاحب حمادي في مكتبة اسمها "مكتبة الوعي الوطني" في الناصرية. نعم، هذا هو اسمها... كانت الصحف والكتب والنقاش هوسهم الذي يُترجم إلى تظاهرات تصل إلى نهاية المدينة حينها، أعني إلى مدرسة الشرقية؛ لأن ما بعدها كانت هناك عشوائيات تحت اسم (قرية فرحان). وفرحان هذا كان الرجل الذي تحمله الناس، والذي يلهب حماسها بهتافاته، وكان زهير الدجيلي، الذي تحمله الأكتاف أيضًا، موجودًا قبالته، ويبزغ على المتظاهرين بنظارته المميزة، وهو يلقي شعرًا يطرب به مستمعيه ويحفزهم على ديمومة الاحتجاج. ويمتد الزمن، ويأخذ موج الحياة سفينة الدجيلي إلى الكويت، التي أصبحت مستقرًا ومنطلقًا لإبداعه.

كان لزهير الدجيلي لحظته الخاصة به، وساعته التي يعرف كيف يضبط الإبداع عليها. ولا أدري، صدقًا، كيف يستطيع قلم وذهن أن ينتقلا من برامج التوعية المرورية، مثل برنامج (قف)، إلى كتابة برامج للأطفال مثل (افتح يا سمسم). والأمر بعيد عن التصور وأنت تطالع كتابًا عن (الانتخابات العراقية)، والشاشة التي أمامك تعرض مسلسلًا دراميًا (للحياة وجه آخر)، والراديو يترنم بأغنية (يا طيور الطايرة) التي غناها سعدون جابر، وعلى الطاولة عمود ومقالة في جريدة القبس أو روز اليوسف، ويخبرك أحدهم أن هذه كلها لكائن مثلي ومثلك اسمه زهير الدجيلي.

زهير الدجيلي... رحلة حياة أضافت إلى حياتنا، وجعلتها أقل صلابة وأكثر حنيّة.