اخر الاخبار

يلاحظ المتتبع في حركة الشعر وخاصة الشعبي منه، الكم الهائل الذي أخذ يملأ الساحة الأدبية في الوقت الحاضر، ويمتزج مع السلوك الروحي وكل الظنون والهواجس التي تبّطن دواخل النفس البشرية، إذ تتعامل مفرداته وبجميع أغراضه (الغزل، العتب، الهجاء، الوصف، الرثاء، الفخر، المدح ....) معها، لتحرك أمواج العاطفة الساكنة في أنهار الاعتبارات العامة والمعنية التي ينطلق من أجلها الشعر، ويعبر عن هذه الآراء بروية وبأبسط المفردات التي تخص إقبال الجمهور الشديد عليها، لاسيما ومادة الشعر هي الكلمات.

إن المرء ( القارئ والمستمع) يستطيع أن يجد متعة كبيرة بالمختارات الشعرية، حيث أنَّ معظم الشعر زاخر بالحياة، ليكون فعلاً عاماً جماعياً، يتخذ مكانة في تسجيل بداية الاندماج العميق بالطبيعة والإنسان، وبذلك يصبح الشعر انتصاراً على العزلة والموت، وشهادة صارخة على كل ظاهرة بالوجود، من خلال محاولته العظيمة في التزاوج الفعلي مع الحلم، عبر نفس ملحمي يجمع بين الاثنين، من البث والوصف والتأمل والتعامل المأساوي، حيث أصبح الشعر الشعبي وسيلة لمخاطبة الناس بلغة مباشرة، يستطيع ويجب أن يفهمها إن لم يكن جميع الناس فالأكثرية منهم.

يهيم الشاعر باحثاً عن مكان يغرس فيه جذوره، لأنه حين ينفصل عن الطبيعة وعن الناس يصبح كالجفن الميت الذي يرفع عنوة، ليرى ما لا يستطيع أن يراه. إن الحشد الهائل من الشعر الشعبي اليوم، والذي يزعم بأنه حديث، فيه الكثير من الشعر القديم الدخيل الذي يدعي الحداثة لمجرد وجود فبركة أو تلاعب جزئي بتوزيع أو تفكيك الوزن أو بتوزيع الأسطر أحياناً، بينما يحتفظ بنظرته القديمة إلى رسالة الشعر وإلى العالم وفي موقفه وأسلوب التعبير عنه. أنَّ الشعر لم يحدد بالقاعدة أو النوع أو الشكل بل بالإبداع فهو نظام عقلي منطقي، يصبح تحولاً وصعوداً دائمين في أقاليم الغيب وذلك من أجل اتحاد بين الوجود والانسان أغنى وأعمق وأشمل، اتحاد بين الواقع والممكن الزمني والشيء والخيال.

إن َّ التجديد في الشعر أو المدرسة الحديثة للشعر الشعبي حررت شكل القصيدة من كل شرط أو قالب سابق. وأن ًّ هذا التحرر أو الحرية لا تعني الفوضى، بل أن َّ كل قصيدة تفترض لها شكلاً معيناً دائماً. كما أنَّ هذا الشكل لا يعني الوزن والقافية أو انعدامهما بالضرورة.

إنَّ الإيقاع الصوت (الموسيقى الشعرية) بمعناها المعروف والانسيابية السهلة والمرنة ضروري دائماً في القصيدة الحديثة. كما يجب التعبير غير المباشر والاستعانة بالرموز التاريخية (ليتمكن الشعر من التعبير شعرياً عن اللاشعور) كما يقول بدر شاكر السياب.

إن وسيلة الشاعر هي خلق الصور، فالتزام الشاعر بالصورة يماثل ما للون على الرسام وما للأبعاد الثلاثة على النحات. قال (أدونيس) الشعر شيء آخر غير اللغة إنّه الانحراف عن الكلام الإنساني العادي، انحراف تتجاوز فيه الكلمات ويضغط بعضها على البعض الآخر في تركيب غير مألوف، فإذا كانت اللغة العادية هي الاتصال بين ما يمكن ادراكه، فالشعر هو الاتصال بين ما يمكن وبين ما لا يمكن ادراكه. إنه إبداع ذهني محض.

إنَّ الغموض عند الشاعر الكبير صادر عن صفاء شفافيته وعن بعده التأملي لا من تشوشه الروحي أو ضعف تعبيره. وهو غموض غير معتم بل شفاف يصح وصفه بما قال (كوكتو) غامض كالماس. كل شاعر كبير هو بالضرورة غامض غموضا ماسياً.

أما ما يخص النقد فهو لايزال مطبوعاً بطابع الجزئية، فهو لا ينظر إلى الأثر الأدبي ككل بل يجزئه. فهو يتناول المضمون، يحلله ويقيّمه، متناسيا أسلوب التعبير وأثره. وهذا عين الخطأ لأن لا قيمة في الشعر لما يقال وحده، فقد لا يوحي الأسلوب بالجو المناسب، والروح التي يحاول الشاعر اشاعتها في ثنايا القصيدة، أو أنّه يهتم بالشكل فقط فهو خطأ مماثل. عندنا، نقد الشعر الشعبي خاصة، لايزال حركة ناشئة بلا أسس لأنَّ الشعر نفسه في حركة تطورية لم ترس بعد على أُسس محددة، فليس هناك مبادئ عامة موضوعية ولا وجهات نظر واضحة.

يقول استالي هايمن (عندما تقع الهوة بين الأدب وذوق الجمهور، تصبح لمهمة الناقد ـ في أن يكون جسراً بين الأثر الغامض والقارئ ـ أهمية كبيرة) أي مهمة ترجمة غموض الشاعر حيث يقتنص لمحاته الأسطورية ويفسرها ويضيء الصور الغامضة، ويحلل المركبة منها، ويدرس الكلمات واقترانها، ويبين اتجاهات حركات القصيدة ويسمي أصواتها، ويوضح علاقة هذه الأصوات ببعضها ويشير إلى أبعادها، وبالنتيجة يقدم القصيدة للقارئ مدروسة محللة، وقد هتكت أستارها وبطل سحرها وتحولت إلى موضوع مدروس.

إن َّ الكم الهائل الذي يظهر على الفضائيات وفي برامج منوعة مما يقال عنه شعراً شعبياً، أرهق ذائقة المستمع والمتذوق والمتابع لهذا اللون. كما أنَّ الإطراء الكثيف الذي يمطره مقدمو هذه البرامج على الذين مازالوا في دور المراهقة الشعرية ولم يسم إلى النضج والتكامل الفكري والفني والأدائي، جعل أكثر المتابعين لهذا اللون من الأدب (أقصد الشعر الشعبي) في حيرة حيث تختلط الألوان وتنسكب المياه الآسنة والرائقة معا، لتكون مجرى واحداً. كما أنَّ غياب الرقابة عن متابعة المنجز الثقافي والمعايير الدقيقة لهذه المنجزات وتوفير أجهزة الطباعة وسهولة تناولها، كل هذه مجتمعة دفعت من لم يكن قد وضع قدمه على الطريق ليبدأ بالخطوة الأولى ويطرح سلعته.

لا يختلف الشعر الشعبي عن الفصيح، فبما أنَّ الشعر الفصيح يمتلك الرؤى ويجري عبر مسالك العصر ومواكبته برؤى ونبوءة وخلق، كذلك الشعر الشعبي، ولكن الفرق بينهما هو الأداة المتعلقة بالطرح، فالشعر الفصيح أداته لغة المثقفين، أي يقتصر بشكل واسع على جمهور مثقف وبعضه يرتقي إلى النخبة. ولكن الشعر الشعبي هو لغة الشعب (الوسطية) حيث هو مفهوم لدى المثقف وعند الوسط، وحتى لدى الذين لا يملكون رصيدا ً ثقافياً. فالشعر الشعبي باللهجة وليس بالرؤى. أنّه يسبر أغوار وأفكار وموضوعات انية ومستقبلية قد يعجز الفصيح عن ترجمتها. أي أنّه يواكب روح العصر بكل مداراته وسوحه ومحطاته، تنبؤات وإرهاصات يكون لها وقعها عندما تتقادم السنين. جال جواده في (المدح، الفخر، الذم، الغزل، الهجاء، اليأس، الأمل، العتب، الوصف.. الخ) ودخل في كل التطورات العلمية والثقافية والاجتماعية التي تعكس (النرجسية، والمازوكية، والسادية) وخاصة المغالاة وقوة التخيل. الزمن فيه اللحظة الحاضرة التي يظل فيها الماضي حاضراً والمستقبل حي بالفعل عبر الشعر واللغة المثقلة بالحياة والتأمل والحركة.

أنّ َالقصيدة الشعبية الحديثة اتسمت بشمولية التجدد خاصة في الأسلوب والشكل والمضمون، بحيوية فتحت عن تبرعمات، نمت وتسعت فرفعت من دور الشعر الشعبي ودفعته للمساهمة في المسائل العصرية بعد أن كاد الذبول يلقيه تحت أقدام السمو.

إنَّ اللغة هي الوسيلة لنقل الإحساس والفكر وهي أداة البناء والتلوين وبدونها لا يوجد إحساس ولا فكر ولا بناء ولا توجد قصيدة، التي هي مفردات وجمل ومجازات. إنَّ الصورة الشعرية والاستعارة البراقة تجذب المتلقي إلى هيكلتها وطريقة بنائها. ويعتمد هذا على الفكرة أو الموضوع المتناول في هذه الهيكلية، فإذا كانت هذه الفكرة خارج الواقع ومعبأة بالخيال ولا مصداقية، تنحدر في مسالك الكذب ولا واقع فكما قال الشاعر العظيم المتنبي:

(الخيل والليل والبيداء تعرفني .... والسيف والرمح والقرطاس والقلم)

وكانت النتيجة هو قتله حيث خرجت كينونته عن ما صرح به من شعر كاذب، ولكن البيت ظل خالداً وعظيماً، وكقوله: (أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي.... وأسمعت كلماتي من به صمم).