اخر الاخبار

نشأت التجليبة، كنوع من أنواع الغناء العراقي الايقاعي إذ تنظم كلماتها على وزن بحر الهزج. وتعتبر من فنون الشعر الشعبي المحبب لنفوس الشعراء، لسهولته وسلاسة جرسه الموسيقي، ولأنه لون يتيح لهم التعبير عن المعاناة والمكابدة والآلام التي عانى منها العراقيون طوال سنين عجاف، فكانوا ينفسون عن كربهم بالغناء الحزين، لاسيما بعد الحرب العالمية الاولى (1914 ـ 1918)، اي بعد الاحتلال البريطاني للعراق، ويعبرون به عن همومهم النفسية، والاجتماعية، والوطنية.

وتأتي هذه الإضاءة بعد قراءتي لقصيدة الشاعر علاء الماجد في جريدة "طريق الشعب" بتاريخ 9/9/2025 وبعنوان (تجليبه) والتي عبّر من خلالها عن همومه الشخصية والوطنية بطريقة التجليبة الراقصة وبألم وتضجر.

حينما نتعمق في قراءة القصيدة، نرى بأنها جاءت على نسقين، النسق الأول الذاتي وتمثل بقوله: (اجلبنك يليلي اثنعش تجليبه) والتي يكررها الشاعر الماجد بعد عدد من الأبيات الشعرية احتفاظا على ترتيب ونسق (التجليبة)، اما النسق الآخر، وهو الموضوعي، فكان يتحدث عن هموم الوطن. ولا يوجد في القصيدة حشو من التزويقات اللفظية، إنما جاءت مركزة خالية من كلمات فائضة عن الحاجة. ورغم ان القصيدة، كما أشرنا تحمل هموما ذاتية وموضوعية ذات إيقاع حزين وانفعالات إنسانية رافضة للواقع، فإنها حملت كلمات راقصة على الحان الچوبي. يقول الشاعر الماجد في مستهلها:

(اجلبنك يليلي اثنعش تجليبه

اومن القهر طلعت ألف شيبه)

فنلاحظ ذات الشاعر منفعلة تبحث عن مخرج ما، تبحث عن السبب، قبل أن يأتي جواب الشاعر الماجد وفي نفس القصيدة بقوله:

(اجلبنك يليلي والشعب مقهور

والتموا عليه الردي والطرطور) 

وهنا اختلط النسق الذاتي مع النسق الموضوعي بعلة الذات المحترقة، والتي ترفض التطابق مع الواقع غير الطبيعي، أو كما تتمناه الذات بالنسق المضمر، فتريد الشعب ان يكون حراً سعيداً، لكنه لم يكن بهذه الصورة، بسبب السلطة التي لم تعبر عن طموحات الوطن والمواطن.

وهكذا يتبين لنا سبب انفعال الشاعر علاء الماجد، بان هناك انساق مضمرة، يعاني منها، فكلما توغلنا بقراءة أسطر (تجليبة) توضحت لنا رؤاه، وما يصبو له، واستمر بتجليبة راقصة ساخرة من كل الواقع وضغوطاته، والمآسي التي سببها قمع ثورة تشرين الرافضة لهذا الواقع، بقوله:

(اجلبنك يليلي اثنعش تجليبه

اجلبنك يليلي وكلبي ينزف دم

على الراحوا غدر بالجسر والمطعم) 

وهنا أيضا خلط الشاعر بين النسق الذاتي والنسق الموضوعي، اي الهم الذاتي وهو قلقه الليلي، والهم الموضوعي، وهو استشهاد كوكبة من الشباب في ساحة التحرير وعلى جسر الجمهورية، وأيضا ظهرت لنا من خلال الأنساق الظاهرة الأنساق المضمرة، التي حملت عثرات طريق البناء، بدالة إقرار سياسيّ السلطة بمسؤوليتهم عن أخطاء بناء الدولة المدنية الحضارية، التي تقوم على مبدأ المواطنة.

وتبقى هموم الشاعر الشعبي تتمحور حول التعبير عن آلام الحياة وصعوباتها، ومعاناة الناس في ظل الظروف القاسية، والتعبير عن الحزن والفقد والأحلام المؤجلة. وغالباً ما يستخدم الشاعر الشعبي هذه الهموم كمادة لشعره، كونه يشعر ويختبر هذه المشاعر بشكل مباشر، مع ذلك كان يحمل الأمل لغد أفضل، كما في قوله:

(بس عدنه أمل هذا الوطن يسلم)، لثقة بأن هناك شباب مؤمن بالحياة، يبحث عن إقامة دولة مدنية عادلة، وتتجسد هذه الثقة بقول الشاعر الماجد:

(وشبان التظاهر تنشد التغيير

هبوا للوطن يردونه جنه يصير)

ومن النسق الثقافي الظاهر، وهو التظاهر، الى النسق الثقافي المضمر، وهو إقامة الدولة المدنية (التظاهر بالسلم مكفول بالدستور)، يبقى الشعر رسالة تترجم مشاعر الإنسان وأفكاره بلغة جمالية ذات إضمار كثيف...!!