الحديث عن التراث الشعبي وأهميته يحتاج الى دراسة اكاديمية مفصلة بسبب تشعب مساراته وتنوعها، كونها تتعلق بدراسة الواقع المعيشي للفرد والأسرة والمجتمع، من حيث المسكن والملبس والمأكل والعادات وما يتعلق بها من قضايا بيئية وعوامل اجتماعية واقتصادية وغيرها. و تعتبر دراسة التراث الشعبي في بعض أوجهها بمثابة اعادة كتابة التأريخ بما يلقيه من الضوء على ماضي الانسان وتعتبر من جانب اخر واحدا من مضامين علم الطبيعة لما تبحث فيه من امور البيئة والمحيط الذي يعيش فيه الانسان .

إن دراسة التراث الشعبي تسلط الضوء على احوال المجتمع بالشكل الذي يوضح الصورة بكل نقائها امام القارئ من كافة جوانبها السلبية والايجابية، دون ان يتأثر الدارس باي من المؤثرات بالشكل الذي يجعل الصورة اكثر نقاء ووضوحا . ولما كان الانسان ابن بيئته فأصبح والحالة هذه لمن يريد دراسة التراث ان يستفيد من هذه المؤثرات بما يغني دراستها ويجعلها اقرب للواقع المعاش . ان التراث يختلف عن التأريخ ولو أنه في بعض جوانبه احد الوسائل للمشتغلين بكتابة التأريخ لايضاح حالة معينة او بيان صورة من الصور , وكاتب التاريخ قد تؤثر عليه عوامل كثيرة تجعله يغفل عن ذكر بعض الجوانب على حساب جوانب اخرى تأثيرا بمؤثرات نفسية او سياسية او اجتماعية او اقتصادية او دينية الى غير ذلك من المؤثرات التي قد تحرف المعلومات المدونة عن مصداقيتها , ولا تعطينا الصورة او الفكرة الحقيقية التي يجب ان يثبتها المؤرخ في كتاباته.وحسبنا الكثير من كتب التأريخ والسير الطافحة بالكثير من المتناقضات في حقبة معينة من حقب التأريخ , وهذه حقيقة لا لبس فيها لاختلاف الرؤيا بين مؤرخ واخر طبقا لما يحمله اي منهم من ثقافة ودراية وما تفرض عليه العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية المختلفة من المؤثرات , هذا بالإضافة الى الكثير من المؤرخين الذين قاموا بوضع الاحداث واختلاقها او تشويهها طبقا لمشيئة الحاكم او رغبة في التزلف الى صاحب الامر . بينما نجد ان معظم المشتغلين بدراسة التراث الشعبي، يقومون بتصوير الواقع لامتداد جذور هذه الدراسة داخل المجتمع , واذا ما اختلفت زوايا التصوير وتباينت المعلومات لكل منهم، فهي بالضرورة اضافة مفيدة او اضاءة موضحة تغني دراسة التراث ثراء واصالة , بل ان التراث الشعبي في واقع الحال خير معين لمن يريد ان يصحح المعلومات التأريخية او يعيد كتابتها بالشكل الذي تكون فيه اقرب الى الواقع , بل قد تكون مرآة حقيقية تبصر القارئ بالشكل الذي عليه المعلومة المذكورة تأريخيا وتراثيا , فالنزاعات والعلاقات والتكتلات القبلية والعشائرية والعنصرية والمذهبية او طمسها وفقا لميوله واتجاهاته او رغبة لتعزيز وجهة نظر الحاكم في ذلك الوقت او مخالفته لها والشواهد على ذلك كثيرة، منذ ان بدئ بتدوين التاريخ وحتى وقتنا هذا  . بينما يأخذها باحث التراث الشعبي كما هي عن طريق استقراء الحوادث وما يكتنفها من امور او مسببات ادت او تؤدي الى ظهور الحالة موضوع البحث , والباحث في التراث الشعبي معني بالدرجة الاولى باللقاء الضوء على واقع الفرد والمجتمع في فترة من الفترات موضع الدراسة لا ظهار الصورة الحقيقية . وهذا لا يتم الا عن طريق المعاينة والدراسة الميدانية والاستماع الى المسنين والمعنيين بإحياء التراث او ممن يهمهم امر الحفاظ على هذا الكنز الثر من المعلومات التي تعزز الثقافة الشعبية وتضيف اليها الشيء الكثير  ممن يمكن عن طريقهم فهم وايضاح ما غمض او بيان سبب ما حدث اضافة الى دراسته دراسة مستفيضة لكتب التأريخ والتراث السابقة في الموضوع بما يشبع الدراسة بحثا للتوصل الى الحقيقة . قد يمر المؤرخ على ذكر مدينة بغداد في شتى عصورها ذاكرا اهم طرقها وشوارعها وقرابينها ومحالها وتربها وانهارها ومعالمها الكثيرة الى غير ذلك من الامور، وهي وان تكن في جانب منها فولكلورية او تراثية , الا انها تكون ناقصة مالم يتم اكمالها عن طريق دراسة تراث هذه المنطقة او تلك مما ورد ذكرها في الكتب التأريخية . فعندما نذكر المحال القديمة كالدهانة والهيفاوين وصبابيغ الال والشورجة والعوينة وقنبر علي والمهدية وباب الشيخ والفضل والسيد عبدالله والفلاحات والتكارتة والشواكة والشيخ بشار والكريمات والجعيفر وابو دودو وسوق حنون وسوق الجايف وخان جغان وخان الزرور ودربونة النملة الى اخره من هذه التسميات ولماذا ؟ ما هي اسباب ذلك ؟ .. فهنا تأتي مهمة الباحث الشعبي ليبحث ذلك من كافة الجوانب وليقرب الصورة الى الاذهان بما يعطيها المصداقية في التصور , يأخذ ذلك من الاستقراء مار الذكر , ومن استنتاجاتها في ذلك المجال وقد يذكر المؤرخ اسما معينا لمعلم من المعالم في مكان ويذكر اسما اخر لنفس المعلم مما يجعل القارئ والمتتبع في حيرة من امره , والحقيقة ان هذا المعلم هو امر واقع والمسميات هي المتغيرة , يأتي على تفصيلها الباحث في التراث الشعبي .

عرض مقالات: