تؤكد مصادر حكومية أن إعداد قانون الموازنة المالية للعام 2023 بدأ فعلياً، وهنالك توقعات بأن تكون ضخمة جدا وفق حجم العائدات المالية التي حظي العراق بها مؤخرا نتيجة انتعاش سوق النفط. وعلى ما يبدو فأنه لا يوجد سقف زمني لإرسال قانون الموازنة إلى مجلس النواب لكن آراء اقتصادية تحذر من رصد مبالغ هائلة للموازنة وفق هذه الزيادات وتجاهل التخطيط السليم والتركيز على الجانب الاستثماري فيها وعدم التجاوز عليها مثلما حصل في الدورات الحكومية السابقة. 

ما هي أولويات الموازنة؟

تقول مصادر حكومية أن الموازنة المالية للعام الجديد، ستتخطى عتبة الـ100 مليار دولار لأول مرة منذ سنوات، بفعل العائدات المالية الكبيرة المتوفرة لدى العراق، ولمحاولة تعويض توقف الكثير من المشاريع التنموية والاستثمارية التي تضررت بفعل عدم إقرار موازنة العام 2022”.

وينتظر الكثير من المواطنين أن تشملهم هذه الموازنة بفرص عمل جديدة وتوجه نحو الجانب الاستثماري والتنموي للقطاعات الاقتصادية شبه المعطلة، فضلا عن الالتفات إلى الفقراء ومحدودي الدخل وترشيد الانفاق.

وحاولت الحكومة في الأيام الماضية الإشارة إلى ان قيمة النفقات التشغيلية بالموازنة الجديدة ستكون أقل من النفقات المخصصة للاستثمار والتنمية وتأهيل البنى التحتية.

وأعلن مكتب رئيس الوزراء مؤخرا في بيان له أن السوداني “وجه وزارة المالية، بإرسال مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية 2023، إلى المجلس الوزاري للاقتصاد بالسرعة الممكنة لدراسته، ثم إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، لإدراجه في جدول أعمال مجلس الوزراء، من أجل الإسراع في تشريعه لأهميته”.

وتشير ترجيحات إلى أن إجمالي الموازنات بلغ نحو ألف مليار دولار، كانت أعلاها إنفاقا خلال فترة حكومتي رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي 2006 ولغاية 2014، وما رافقها من ملفات فساد هائلة وانفاق غير منطقي في جوانب عديدة، فيما كان سوء التخطيط والإدارة قبل هذه الفترة وما بعدها.

ما المطلوب من الموازنة؟

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي، الدكتور عبد الرحمن المشهداني، أن التصريحات متضاربة بخصوص حجم هذه الموازنة، مؤكدا ضرورة أن “لا تزيد على 160 تريليون دينار (بحدود 110 مليار دولار)”.

ويرى المشهداني أثناء حديثه مع “طريق الشعب”، إن هذا الرقم “قريب وواقعي من الإيرادات النفطية وغير النفطية التي يحصل عليها العراق، بافتراض إن سعر برميل النفط 70 دولار. فعلى أساس هذا السعر تكون الإيرادات بحدود 98 مليار دولار ولدينا تقريبا 10 مليار تأينا كإيرادات غير نفطية”، مضيفا “تكون الموازنة معقولة ما بين 100 إلى 110 تريليون دينار، كنفقات تشغيلية، و50 إلى 60 تريليون دينار كنفقات استثمارية. يجب هذه المرة أن تفصل النفقات الاستثمارية وعدم التلاعب بها عند وقوع مشكلة اقتصادية مثلما كان يحصل في العراق في السنوات الماضية، ولا بد من صرفها ضمن أبوابها في المشاريع والمجالات التي تضمنها البرنامج الحكومي”. 

تصريحات غير مسؤولة!

ومضى المشهداني بالقول: “أكد رئيس الوزراء أن أولوياته هي الفقر والبطالة والخدمات، خاصة ما يتعلق بالبنى التحتية. أما الفساد، فلا بد من تفعيل دور القضاء بخصوصه والجهات المعنية لأنه بوابة تجلب لنا الكثير من الأموال وهنالك مؤشرات واضحة بخصوصه وبالتالي لا بد من حسم هذا الملف بسرعة”، مردفا أن “هنالك تصريحات غير مسؤولة تتحدث عن الأرقام في الموازنة دون معرفة كيفية القيام بالأمور. حتى وأن امتلك العراق وفرة مالية، فهو معرض إلى أزمات اقتصادية وهنالك توقعات بان تحدث واحدة كبيرة في العام القادم وتؤدي إلى انخفاض أسعار النفط، فهل سنقوم بتغيير سعر الصرف مجددا؟ لا بد من أن تكون الاحتياطات الحكومية معززة لنا في الأيام الصعبة”.

ولفت الخبير إلى أن “أخذ الأرقام التحوطية لسعر برميل النفط الذي يتراوح حاليا ما بين 85 – 90 دولارا، ويحدد تحوطا بـ 70 دولار، من أجل توقع ما هو أسوأ، وإذا زاد الرقم عن السبعين يمكن عمل موازنة تكميلية بالشهر السادس مثل كل السنوات السابقة. ويجب أن يخطط صاحب القرار بالمعقول. أما الحديث عن 50 تريليونا للخدمات الأساسية فهو رغم مهم ومؤثر. أن وزارة الصحة على سبيل المثال، لا تريد أكثر من 4 - 5 مليارات وهي حوالي 7 تريليون حوالي من أجل إنعاش وضعها، أما بالنسبة للقطاع التعليمي فرأينا أن 1000 مدرسة خصص لها مبلغ قدره تريليون واحد فما بالك لو خصصنا 5 تريليونات؟ بالتأكيد ستحل مشكلة المدارس وتخلق فرص عمل كثيرة جدا للمساهمة في إنعاش هذا القطاع”.

وشدد على أهمية “عدم التلاعب بالنفقات الاستثمارية وتعزيز عملية صرفها ضمن أبوابها، حيث أنها تخلق فرص عمل كثيرة جدا وهي أفضل من شمول اعداد جديدة بشبكة الحماية الاجتماعية في مبالغ ضئيلة لا تعادل قيمة الحصول على فرصة عمل”. 

يوجهون الاموال لمصالحهم

وعن موعد إقرار الموازنة، يُشير الخبير المالي محمد فرحان الى ان اللجنة المالية النيابية أوضحت في اخر حديث لها ان الحكومة سوف ترسل مشروع القانون في بداية السنة، ومن المؤمل إقرارها في آذار من العام المقبل.

ويقول فرحان، ان تأخر إقرار القانون له انعكاسات سلبية على حياة الناس المتعطلة منذ أمد طويل، موضحا ان الاثار السلبية للازمة الاقتصادية كان من المؤمل تجاوزها في فترة الوفرة المالية باستغلال عائدات النفط في مشاريع تنموية حقيقية، لكن الكتل المتنفذة تصر على تقاسم الغنائم وتثبيت حصصها.

ويضيف، ان تأخر إقرار القانون الى شهر اذار يعني مزيدا من تعطيل الحياة ومصالح الناس، مذكرا رئيس مجلس النواب بحديثه عن عدم إمكانية صرف الرواتب في حال عدم إقرار الموازنة!

ويبيّن فرحان، ان القوى المتحكمة في المشهد السياسي لا تفقه شيئا في التخطيط الاقتصادي والتنموي، لكنها بارعة في نفس الوقت في كيفية توجيه الأموال لمصالحها الخاصة، معتبرا إقرار موازنة عامة للبلاد ضرورة أساسية في الوقت الحالي.