بعد فشل وربما تجاهل الجهات المعينة لملف انتشار المخدرات، في مراحله الأولى، بات من المستحيل وضع لخطة استراتيجية حقيقية لمكافحة تلك الظاهرة، التي أخذت تتفشى في كل مكان.

وفي نسبة أعلن عنها العقيد بلال صبحي مدير العلاقات والإعلام في المديرية العامة لمكافحة المخدرات، فان «العدد الكلي خلال الأشهر الثمانية من هذا العام أصبح 11 ألف متهم بالتجارة والترويج والتعاطي، وضبط ما يقارب 300 كيلوغرام من المواد المخدرة وأكثر من 14 مليون حبة من حبوب الكبتاغون والمؤثرات العقلية».

وقال مصدر في وزارة العدل لـ»طريق الشعب»، ان « سجون وزارته تمتلئ بالمحكومين بقضايا المخدرات بأعمار مختلفة خصوصاً من عمر 18-11 سنة، وربما يصل اليوم الذي نعلن فيه عدم استيعاب السجون لهؤلاء ما لم يجري اتخاذ اجراءات حقيقة لوقف التعاطي والتوزيع

صناعة محلية!

  ويقول الباحث في ملف المخدرات، علي الحبيب، انه «في الآونة الأخيرة شهدنا اعتقالات كبيرة من قبل القوات الأمنية، لمتعاطي وتجار المخدرات، حيث بات العدد ضعفه عما في السابق»، لافتا ان «هذا الانتشار الواسع لمادة المخدرات جاء بسبب تبني صناعتها محليا، حيث تم القبض على منتجين للمخدرات في العمارة وكركوك ومحافظات أخرى».

ويشير في حديثه لـ»طريق الشعب»، الى ان «القوات الأمنية تعمل بشكل كبير على محاولة السيطرة على هذا الملف، من خلال تكثيف عمليات القاء القبض على التجار والمدمنين، وهذا العمل مكلل بإحصائيات رسمية»، مردفا «لكن للأسف الشديد هناك تشتت في عمل هذه القوات، من ناحية عدم تنظيم قواعد البيانات والافتقار الى العمل الموحد بين الجهات المعنية بهذا الملف، حيث الأمن الوطني يعمل من جانب، وجهاز الاستخبارات يعمل من جانب اخر».

ويلفت الحبيب الى أن «هذه الدائرة مرهقة في جوانب عملها، بسبب عدم توفير الدعم الكافي لها، وبالتالي فانها لا تستطيع ان تقدم عملا ملموسا وحقيقيا. وطالبنا كثيرا لكن لا آذان تصغي».

التعاطي.. تهديد للأسرة

ويرى الحبيب ان ملف انتشار المخدرات «لا تختلف خطورته عن معركة داعش، لكنها معركة تحدث داخل الاسرة العراقية، حيث كان لتعاطي المخدرات نسبة كبيرة في زيادة العنف الاسري، وارتفاع نسبة الجريمة، كون المدمن يفقد قدرته على الادراك، ويتحول الى وحش كاسر».

وطالب الحبيب بـ»تفعيل حالة الانذار في جميع محافظات العراق، فإضافة الى العنف الاسري الذي يولده، تم ضبط حالات تعاطي وتورط عدد من الضباط في هذا الملف. تكون حالات نادرة لكنها مؤشر اخر على الخطر».

وعن عقوبة تجارة المخدرات او تعاطيها من قبل أفراد القوات الأمنية، يقول مرتضى الحسيني لـ»طريق الشعب»، ان «العقوبة التي سنّها القانون العراقي، هي الحكم بالإعدام أو السجن المؤبد. او دفع غرامة مالية وقيمتها لا تنقص عن 3000 دينار، ولا يمكن أن تزيد هذه الغرامة المالية على 10.000 دينار. كما أنه يمكن الحكم بالإعدام على أفراد القوات المسلحة أو أي من الأفراد الذين يعملون بها في حالة القبض على المتهم أثناء مطاردة العدو».

وفي سياق تأثير المخدرات في زيادة العنف الأسري، تتحدث إيناس كريم وهي رئيسة منظمة (عراق خال من المخدرات): إن «هناك ارتباطا وثيقا بين تعاطي المخدرات والعنف الاسري، اذ اغلب ضحايا العنف الاسري هم أطفال ونساء، إضافة ان اغلب الأزواج لا يبلغون زوجاتهم بتعاطيهم، وهذا ما يجعل هناك مشاكل وعنف تجاه الزوجة ثم الأطفال»، مشيرة الى انه «كلما تزيد نسبة التعاطي يزيد معها حجم العنف على الاسرة».

وتوضح كريم لـ»طريق الشعب»، ان «المردود السلبي يعود للأطفال بشكل أكبر، فعندما يرى الطفل والده بوضع سلوكي غير مهذب، يصبح لديهم رد فعل نفسي، ابتداء من عدم الشعور بالأمان مع والدهم والاحساس بالخوف والرهبة، ومن ثم تأثير ذلك على نفسياتهم وسلوكياتهم في بقية حياتهم».

مواقف خجولة من الحكومة

وفي لغة يكسوها الأسف تقول إيناس ان «النسب في ازدياد كبير عن السنين التي مضت في ظل عدم توفير مراكز للتأهيل في جميع المحافظات، فيما ان الحكومة لها موقف خجول تجاه هذا الملف، بعدم وجود تحركات جدية، خاصة عندما تزج المدمن في السجن دون إعادة تأهيله صحيا».

وبالعودة الى الحبيب، فانه يبين انه «عندما يتم القبض على تاجر مخدرات او من وقع ضحية للإدمان، لا نرى الحكومة تقدم حلولا حقيقية سوى زجهم في السجون، وهذا لا يعتبر حلا كون السجون لا توفر لهم إعادة التأهيل النفسي والصحي الذي هم بحاجة اليه».

وتابع حديثه ان «دائرة الإصلاح لا تحتوي على أي مقوم للإصلاح، حيث أخرجت هذه الدائرة عددا كبيرا من المتعاطين والتجار، وقد عادوا الى الشارع كمتاجرين او مروجين بشكل اقوى عما في السابق».

واكد الحبيب الحاجة «الى جهد حكومي حقيقي عن طريق إعداد خطة واقعية لإنهاء هذا الملف، إضافة الى ضرورة وجود ارادة سياسية، كون الفاعل السياسي اليوم له تأثيره المهم، في ظل الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المضطرب».

تصديرها من إيران!

ويخلص الى انه «نحتاج الى ضبط حقيقي لمصادر الادوية التي تدخل من الخارج لكون بعضها يدخل في صناعة المخدرات مثل الكريستال، والسيطرة على المنافذ الحدودية التي تمرر المخدرات بطرق مختلفة، وأكثر المحافظات المتضررة هي العمارة والبصرة وواسط. فجميع هذه المحافظات حدودية مع إيران، حيث هناك تسرب كميات كبيرة من الحشيشة والكريستال والكبتاغون من تلك الدولة».

مريض وليس مجرما

وعن أسباب تعاطي المخدرات وانتشارها يذكر رئيس مركز الاستراتيجي في العراق فاضل الغراوي، ان: «ضعف الرقابة الاسرية على الأبناء والاستخدام السيئ لمواقع التواصل الاجتماعي، إضافة الى انتشار البطالة وتدني الوضع الاقتصادي العام، وعدم معالجة تداعيات الحروب التي شهدها البلاد سابقا، كلها تعتبر وقودا لهذه الظاهرة».

ويشير الى ان «مدمن المخدرات هو شخص مريض بحاجة الى علاج خاص، ولا يجوز اعتباره مجرما، وان معاملته بهذه الصفة من قبل الحكومة يعتبر انتهاكا لمعايير حقوق الانسان».