قرب كل بناية حكومية في العراق ينتشر من يعرفون بـ”المُعقّبين”، الذين عادة ما يعملون تحت غطاء محل لطباعة المستمسكات وبيع القرطاسية والاستمارات. ويرتبط بعض هؤلاء بموظفين داخل الدوائر لتنسيق عملية الترويج للمعاملات مقابل دفع الرشاوى لإنجازها سريعا، دون أن يضطر الموظف إلى التعامل مع المراجع بشكل مباشر.

وتبرز حلقة أخرى في إنجاز المعاملات، متمثلة في “المُعتمد”، وهو الذي ينقل البريد بين الدوائر. وتعتبر هذه الوظيفة حالياً من الوظائف المطلوبة نظراً للحصيلة المالية التي يجنيها العاملون فيها، من المراجعين الذين يدفعون المال مضطرين من أجل الإسراع في إنجاز معاملاتهم، بينما يتعين على من لا يملك المال الانتظار طويلا!

عمل يوم واحد ينجز في شهور!

كثيرا ما تستغرق مراجعة الدوائر الحكومية للحصول على أوراق رسمية، أسابيع عدة وربما شهور، في حال لم يقم المواطن بدفع مبالغ مالية لحلقات الوصل المذكورة، أو لبعض العاملين في تلك الدوائر، رغم أن المعاملة يمكن إنجازها في يوم واحد!

فاطمة عبد الله عراقية مقيمة في لبنان، عادت إلى بغداد من أجل استكمال معاملة خاصة بأولادها، جالبة معها وكالة موثقة من زوجها. ووفقاً للنظام المتبع، يتوجب أن تعزز هذه الوكالة بوثيقة تعرف باسم “صحة الصدور”، وهو ما يتطلب من المراجع، في مثل حالة فاطمة، الذهاب لوزارة الخارجية لتصديق هذه الأوراق.

لكن فاطمة دفعت 300 دولار لصاحب مكتب استنساخ قريب من وزارة الخارجية، من أجل تسريع التصديق وإنهاء المعاملة قبل موعد العودة إلى بيروت.

تقول فاطمة في حديث صحفي: “لو انني لم أدفع لاستغرقت المعاملة نحو أسبوعين في الوزارة، ناهيك عن طوابير الانتظار، وسوء تعامل الموظفين مع المراجعين”.

معاناة كبيرة

يؤكد مواطنون ان إنجاز أي معاملة في دوائر الدولة يحتاج الى مراجعات كثيرة، وإلى الانتقال من مكان لآخر في ظل زحام الشوارع، والوقوف في طوابير طويلة ساعات عدة، فضلاً عن إنفاق مبالغ مالية كبيرة.

ويقول أنس الشعباني في هذا الصدد، أن “مراجعة دوائر الدولة تشكل معاناة كبيرة للعراقيين، بسبب الروتين المتبع في أغلبها. فالمواطن يحتاج لإكمال معاملته إلى وساطة قوية، واستنساخ كثير من الأوراق الثبوتية، ودفع رشاوى لموظفين، والوقوف ساعات في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس، في حين أن الموظفين غير مبالين بمعاناة الناس، رغم أن بينهم كبار سن ومرضى”.

فيما يشكو ياسر الشمري من الإجراءات المتبعة في دائرة التقاعد. ويقول في حديث صحفي، أن “مراجعة هذه الدائرة تستغرق من المواطن أياماً كثيرة ووقتاً وجهداً ومالاً لإنجاز معاملته، وحتى لو أحضر كافة أوراقه الثبوتية، فإن المعاملة لن تُنجز، بحجة وجود نقص في المستمسكات الشخصية، أو في المعلومات الخاصة بالمعاملة”، لافتا إلى أن “أغلب الموظفين في دوائر الدولة اعتادوا على هذا في تعاملهم مع المراجع، والبعض يتعمدون إذلال الناس، ما يُشعر المواطن بأنه غريب في بلده”.

ويشير إلى أن “الروتين المتبع في أغلب الدوائر الحكومية يجبر المراجع على الذهاب إلى الدائرة مرات متعددة، وقد تنتهي المعاملة بعد شهر. في حين يستطيع الموظف إنجازها في غضون دقائق، وما يحدث لا يمكن أن يستمر لولا استشراء الفساد وغياب الرقابة”.

بنايات ضيّقة

من جانبه، يقول المحامي سلام النداوي، أن “غالبية الدوائر الحكومية تعاني بشكل يومي تكدسا بشريا بفعل ضيق مساحات بناياتها، خصوصاً دوائر التقاعد والضريبة والأحوال المدنية، ما يؤدي أحياناً إلى حصول تدافع أو شجار بين المراجعين، أو يتعرض بعضهم إلى حالات إغماء أثناء انتظارهم في الطوابير الطويلة”، مؤكدا في حديث صحفي، أن “معاناة مراجعي الدوائر أصبحت لا تُطاق بسبب الإجراءات التي تجبرهم على دفع الرشى إلى السماسرة ومعقبي المعاملات. لذلك على الحكومة إيجاد حلول لهذه المشكلة، وإنقاذ المواطنين من مأساة مراجعة مؤسساتها”.

موظفون غير أكفاء

إلى ذلك، يرى الناشط الحقوقي مصطفى العزي، ان “مراجعة دوائر الدولة باتت مرهقة لأسباب كثيرة، تجعل المواطن يُفضل دفع الأموال للمعقبين لتجنب معاناة المراجعة أو إذلال الموظفين له. ومن بين هذه الأسباب هو تسنم أشخاص غير أكفاء مناصب مهمة، وتسلطهم على الموظفين، الأمر الذي ينعكس على أداء الموظف وطريقة تعامله مع المراجع”.

ويتابع في حديث صحفي قائلا، أن “الموظف في دوائر الدولة له حقوق وعليه واجبات. فعليه عزل نفسه عن العالم الخارجي، والتركيز في عمله لتأدية واجبه بشكل أفضل. كما يتوجب على المُراجع احترام القوانين، وعدم الإساءة للموظفين”، لافتا إلى أنه “ينبغي على الدولة تفعيل قانون الحوكمة الالكترونية، للتخفيف من أعباء الروتين عن كاهل المراجعين، والقضاء على الرشوة المستشرية في أغلب الدوائر”.

ويشدد العزي على أهمية تفعيل دور الجهات الرقابية لمكافحة الفساد الإداري والمالي في دوائر الدولة.