تشهد محافظة ذي قار هذه الأيام حالة من الهلع والتذمر في غالبية مناطقها بسبب شح المياه في أهوارها وأنهارها، والذي أثر بشكل كبير على الحياة العامة.

وبدت أقضية ونواحٍ عديدة في المحافظة، أبرزها الإصلاح وسيد دخيل والعكيكة، أشد تأثرا بالأزمة، لكونها تقع في ذنائب نهري الفرات، والغراف المتفرع عن دجلة.

وليست هذه الأزمة جديدة على ذي قار وبقية محافظات الجنوب، لكن وتيرتها تصاعدت كثيرا منذ العام الماضي، في ظل قطع إيران معظم روافدها الجارية الى العراق، وانحسار مناسيب المياه الواردة عبر دجلة والفرات من جهة تركيا، فضلا عن التغير المناخي الذي أضعف فرص تساقط الأمطار خلال الشتاء الفائت، وربما سيتكرر الأمر في الشتاء الحالي – وفق ما يراه الانوائيون. وبالمقابل لا تزال الحكومة غير جادة في معالجة هذه الأزمة الخطيرة على الإنسان والحيوان والنبات. 

11 ألف مهاجر

يقول الناشط المدني في قضاء الإصلاح أحمد طالب، ان “ما يمر به القضاء حاليا، كارثة إنسانية وبيئية بمعنى الكلمة. فهو يعاني منذ عامين أزمة مائية شديدة، بدأت في الأهوار التي يعتمد عليها سكان القضاء في معيشتهم، من حيث صيد الأسماك والطيور وتربية الجاموس”.

ويضيف في حديث صحفي قائلا، أن “الاحصاءات الرسمية تؤكد هجرة أكثر من 11 ألف مواطن من قضاء الإصلاح إلى مناطق أخرى. فالزراعة انتهت بشكل تام، وخلال الأسابيع الأخيرة انخفضت مياه الإسالة بشكل كبير، ولم يبق سوى مجمع واحد لتصفية الماء، يعمل بنصف طاقته الإنتاجية”.

لا نريد سوى ماء الشرب!

وينوه طالب إلى أنه “لم يزرنا أي مسؤول محلي لغاية الآن، رغم اننا نظمنا أكثر من أربع وقفات احتجاج، ونصبنا سرادق عزاء داخل الأنهر الجافة كتعبير رمزي عن الحالة المزرية التي وصلنا إليها”، مؤكدا أن “ما نريده الآن لا أهوار ولا زراعة، نريد فقط ماء الشرب”!

ويلفت إلى أنه “رصدنا تجاوزات مائية كثيرة من قبل المناطق الأعلى من قضاء الإصلاح، والتي تقع على أكتاف الأنهار. إذ رصدت العشرات من المضخات المستخدمة لسقي المزروعات، وما يصلنا حالياً من مياه غير صالح للاستخدام البشري”.

توقف نصف مجمعات ماء “البدعة”

الإدارة المحلية في قضاء الشطرة شمالي المحافظة، كشفت عن توقف عدد من مجمعات الماء في ناظم البدعة الإروائي، بسبب انخفاض مستوى المياه في المصدر (نهر الغراف).

وفي هذا الصدد يقول قائم مقام القضاء حيدر غالب، في بيان صحفي، أن “50 في المائة‎ من المشاريع العاملة في ناظم البدعة توقفت”، مضيفا أن “استمرار انخفاض المياه قد يؤدي الى توقف المشاريع بالكامل”.

الوضع اخطر مما يمكن تصوّره

من جانبه، يقول قائم مقام قضاء الجبايش الأسبق وأحد منظمي حملة “انقذوا الأهوار”، بديع الخيون، أن “المخزون المائي للعراق، بحسب ما ذكره وزير الموارد المائية لمنظمي الحملة خلال لقائه بهم قبل أيام، يبلغ حاليا 10 مليارات متر مكعب. وهذا بحد ذاته كارثة حقيقية ربما يدفع العراق بأجمعه ثمنها في اي لحظة”.

ويؤكد في حديث صحفي أن “الوزير أبلغنا بأنه يسعى لتشريع قانون جديد لتنظيم المياه في البلاد. كما انه اطلع على تقرير مفصل من احد أساتذة القانون الدولي الذي كان حاضرا معنا في اللقاء، بشأن سلك الطريق القانوني الأسلم من اجل الضغط على دول المنبع لدعم العراق بالمياه”.

أمراض خطيرة تستعد للظهور!

خبير الوبائيات في دائرة صحة ذي قار، حيدر حنتوش، يحذر من ظهور أمراض خطيرة على الساحة الصحية في المحافظة، بسبب الجفاف.

ويقول في حديث صحفي، أن “الجفاف يضطر الناس إلى استخدام مصادر بديلة للمياه، كالمياه الجوفية. وهذه عادة ما تكون ملوثة بالبكتيريا والفيروسات المختلفة، وحاملة لأمراض خطيرة مثل الكوليرا والتيفوئيد والزحار الأميبي”.

ويشير حنتوش إلى أن “انحسار المياه في الاهوار سيؤدي الى انتشار القوارض، والتي تعتبر خازناً رئيساً لمرض اللشمانيا الجلدي”.

“انهيار تاريخي” للخطة الزراعية

إلى ذلك، يقول مدير زراعة ذي قار صالح هادي، ان “الجفاف تسبب في انهيار تاريخي للخطة الزراعية في المحافظة هذا العام. فالخطة التي اقترحت في البداية بلغت نحو 493 ألف دونم، لكن تم تقليصها لغاية 135 ألف دونم”.

ويضيف في حديث صحفي قائلا أن “الزراعة ستتركز في مناطق شمال المحافظة بشكل اكبر، بواقع 100 الف دونم، بينما في المناطق الجنوبية ستغطي 35 الف دونم فقط، تمتد على شريط نهر الفرات”، لافتا إلى ان “هناك اقضية قد لا تشهد موسما زراعيا هذا العام”.

ويستطرد هادي قائلا أن “زيادة المساحات المزروعة ستكون مشروطة بتوفر الامطار، وذلك لغاية منتصف كانون الأول المقبل. إذ سيتم تقييم الوضع. فإذا سقطت الأمطار ستزداد المساحات المزرعة ضمن الخطة الزراعية”.