كشف نواب وناشطون من محافظة ذي قار عن الوضع المأساوي الذي تشهده الأهوار والجفاف الذي حلّ عليها ليدمر الحياة فيها، ويطرد الأهالي ويقتل حيواناتهم رغم ثروات هذه الرقع المائية ووجودها على لائحة التراث العالمي.

وجرى التشديد على ضرورة أن يحسم العراق قراره في هذا الملف، وأن يتعامل بالمنطق والتخطيط السليم لمعالجة المشاكل على المستويين الداخلي والخارجي، فضلا عن ضرورة أن تأخذ الحكومات المحلية دورها لا أن تستمر بتدمير أهوار الجنوب وصبّ النفايات فيها.

مطالبات نيابية عاجزة

طالب نواب عن محافظة ذي قار، بإعلان الأهوار كمنطقة منكوبة.  وشددوا على أهمية توفير حصة عادلة من المياه للأهوار، وإدارة الجفاف بفريق عمل متكامل. وخلال مؤتمر صحفي مشترك لعدد من نواب البرلمان عن المحافظة، ألقى النائب حسن الأسدي بيانا قاله فيه أن “أهوار الجنوب يضربها الجفاف بقوة ويدمر بيئتها ونشاطات سكانها المختلفة وتنوعها الإحيائي بفعل سياسة دول الجوار وسوء إدارة الموارد المائية، نتيجة لعدم الإدراك بأهميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والمناخية”.

واضاف الأسدي أنه “بالرغم من دخولها على لائحة التراث العالمي إلا أن المسؤولين لم يلتزموا بمسؤولياتهم، بل وصل الحال بالتجاوز على الحصص المائية لمحافظات الأهوار.

 لقد تضاءلت الإطلاقات المائية للأهوار إلى درجة كبيرة، وتراجعت نسبة الأغمار الى اقل من 8 في المائة من أصل الهدف المعلن عام 2005 لاستعادة 5560 كم2، حيث تم تجاهل المسؤولون توصية المؤتمر الأربعين لليونسكو بـ(توفير الحد الأدنى من المياه لأهوار جنوب العراق ضمن ممتلك التراث العالمي لإدامة النظام الإيكولوجي) وإشراك السكان المحليين ومنظمات المجتمع المدني ذات الصلة بتحديث وتنفيذ خطة الإدارة”، داعيا الحكومة إلى “إعلان الأهوار منطقة منكوبة”.

منظومات الري قديمة

كما قال أحمد صبحي (اختصاص جغرافية زراعية)، أن منظومة الري ذات الطراز القديم، والاعتماد على المياه الجوفية والخزين المائي ساهمت بجزء كبير في تعاظم هذه المشكلة التي تعززها عمليات تلاعب خارجية بالاطلاقات وعوامل التغير المناخي.

وقال صبحي لـ”طريق الشعب”، أن “مئات العائلات في ذي قار نزحت تجاه مناطق بعيدة بحثا عن مصدر للرزق كما تحملت خسائر فادحة وسط تفرج السلطات على هذه المأساة”، مبينا أن “ما تشهده الأهوار حاليا دمرت مهنة تربية الجاموس وقتلت الحيوانات المستوطنة وأبعدت الكثير من العراقيين عن مهن أصيلة ومنتجة ومربحة ولها إيرادات عظيمة لو رعتها الدولة”.

الحاجة إلى الدقة بالتشخيص

من جانبه، رأى عبد الله حسن، الناشط البيئي في محافظة ذي قار، أن أوضاع الأهوار لا تلاقي عرضا مفصلا ودقيقا لها من قبل الجهات الحكومية ولا حتى منظمات المجتمع المدني باستثناء البعض القليل، وذلك من أجل معرفة المخاطر والسعي لمواجهة بعضها.

وقال حسن في حديث لـ “طريق الشعب”، أن “بيئة الأهوار كرقعة مائية تشهد الآن جفافا تاما. الوضع الاجتماعي بالنسبة لعرب الأهوار سيء جدا، وهنالك 800 عائلة هاجرت صوب المدن من أجل الحصول على الماء، فدخلت مدن الناصرية وكذلك في بابل والنجف لضمان لقمة العيش”.

ويوضح الناشط أن “الثروة السمكية شهدت حالات نفوق هائلة، وثروة الجاموس في مقدمة خسائر الثروة الحيوانية، حيث خسرت المحافظة ما بين 600 – 750 جاموس كوفاة نتيجة هذه الظروف. إضافة إلى خسارة 800 – 900 جاموس آخر بسبب بيعهم خوفا من الموت نتيجة الجوع والعطش، حيث كان يبلغ سعر الطن الواحد لعلف هذه الحيوانات 400 ألف دينار، ولكنها قفزت إلى سعر 700 ألف دينار وهذا ظرف مستحيل أن تكون التجارة بالجاموس رابحة”.

تجاوزات كبيرة

وشدد حسن على أن “خسارة المياه تعود لأسباب عديدة تتعلق بالحكومتين المحلية والمركزية، منها التجاوزات الكبيرة على الإطلاقات وتحويل مصب مياه المجاري على الأهوار بشكل مباشر وطرق الزراعة القديمة والمؤثرة. كل هذه الأمور ساعدت على نقص المياه وأن العلاج الحقيقي حاليا يكون عبر زيادة الإطلاقات ففي السابق كانت تصل إلى 50 في المائة، ويصل من هذه النسبة حوالي 15 في المائة، لأن الباقي يكون من نصيب زراعة الشلب وواسط والنجف والتجاوزات الكثيرة. إن عدم زيادة الإطلاقات رغم دخول الاهوار لائحة التراث العالمي حقيقة قالها مؤخرا وزير الموارد المائية الأسبق حسن الجنابي”.

ومضى الناشط بالقول أن “الحكومة المحلية تتحمل نسبة كبيرة من دمار الأهوار وجعلها قريبة من الخروج من لائحة التراث العالمي. توجد متطلبات من قبل المنظمات الدولية لكن تنفيذها في العراق غائب، فالتجاوزات مستمرة من قبل البلديات وهنالك رمي حكومي للنفايات في الأهوار وعلى ضفاف الأنهار. هذا عمل البلديات حصرا”، مضيفا “يوجد الآن مشروع مجاري كبير بالناصرية وهو ضم كل الشبكات الفرعية وسيصب في الاهوار بشكل مباشر. الحكومات لا تتفاعل مع الأزمة، ولا تحرك ساكنا وتعتبره ملفا ثانويا”.

ودعا المفاوض العراقي إلى “التعامل بحسم مع تركيا وإيران واستخدام كافة الملفات لا الرضوخ والحديث عن حقوق تاريخية قديمة. لا بد من الحوار بقوة، والمطالبة بحصص العراق المائية وإجبار هذه الدول على التراجع عن بناء السدود خلافا لمصلحتنا الوطنية، وحثها وإقناعها على زيادة الاطلاقات المائية، لان الوضع الحالي كارثي والماء تملّح، وصار يضاهي ملوحة ماء البصرة”.