أنتجت لحظة تشرين الاحتجاجية ظواهر اجتماعية ايجابية عديدة، وصنعت قوالب جديدة بعيدة عن النمطية التقليدية في قضايا المرأة والشباب والمطالبة في الحقوق. وكانت قضية احترام المرأة وتلاشي ظاهرة التحرش خلال الاحتجاجات، هي الأبرز رغم أنها لم تأخذ النصيب الكافي لتسليط الضوء عليها.

بنات الانتفاضة والحضور الكبير

كانت مجاميع النساء والفتيات تدخل بأفواجها الكبيرة ضمن الموج الطلابي الذي يتشح بالبياض والأعلام العراقية العملاقة ويغزو مركز الاعتصام والاحتجاج المركزي في العاصمة (ساحة التحرير). وكانت تحتشد الطالبات يوميا مع بقية الشبان في نفق ساحة الطيران المؤدي إلى قلب التظاهرات، بمسيرة كبيرة تتحرك من أمام بناية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. أما من الشوارع الأخرى، فكانت هنالك نساء أخريات يزحفن لمركز الاعتصام من دروب الأزقة، كالبتاوين والنهضة وابو نؤاس. تمر المئات من الفتيات بمفردهن، وجماعات، مع زملائهن في الدراسة، والعمل، عبر هذه الطرق ولم يكن بحساباتهن يوماً أنهن سيمرن بهذه الطرق دون تحرش لفظي أو جنسي، حتى وقت سابق قبل انطلاق التظاهرات الشعبية في العراق.

ويتحدث سائق التكتك، عماد المطيري (22 سنة) وهو من مدينة الثورة – الصدر، ذات الطابع الشعبي عن نقله الكثير من الفتيات اللاتي تعرضن للاختناق والإصابة خلال الاحتجاجات الغاضبة. حيث كانت الفتيات يركضن مع الشبان لصد الدخانيات ومعالجة المصابين والهتاف ضد عمليات القمع، فيما لم يكن هناك أي تفكير بالتحرش بهن رغم وجودهن في قلب الحدث.

تغيير ملموس

وبحسب تقرير روسي لوكالة «سبوتنيك»، فان الفتيات يقطعن خلال أيام الانتفاضة منطقة فضوة عرب الشعبية، المليئة بأصحاب الدراجات النارية ومحلات تصليحها، ويسرن على الأقدام في سوق شعبي لبيع مختلف أنواع السلع بأسعار رخيصة أغلبها «حاجة» قطعة بألف دينار عراقي، مثل الجوارب، والملابس الأجنبية المستعملة، التي تستقطب الفقراء، ومن ثم يتوجهن نحو ساحة التحرير، حيث يتجمع الآلاف بمشهد رائع لم يسجل أي حالة اعتداء أو تحرش بالفتيات من قبل المتواجدين.

وعلى الرغم من جمالية المشهد، لكن قنوات فضائية كثيرة تابعة للأحزاب المتنفذة كانت تتحدث عن فساد أخلاقي في ساحات الاحتجاج، وحفلات جنسية واختلاط سيء يحدث بين الجنسين، لكنها كانت تتناسى صمود هؤلاء وتحملهم للقتل والخطف والاختناق والرصاص الحي، بحسب ما تقوله المتظاهرة الشابة سارة عبد الواحد.

وتقول عبد الواحد: انها كانت مع زميلاتها يتوجهن يوميا إلى ساحة التحرير، دون أي خوف من أية مضايقات أو تحرش بسبب الملابس أو الشكل. وعندما كان يشتد القمع، يركض الشباب نحو الفتيات لحمايتهن مع أي امرأة تتواجد في الحدث، والفيديوهات التي صورت كثيرة وأصبحت شهادة تاريخية لوعي هذا الجيل الشبابي ونقاء سريرته.

وتشير إلى أنه ورغم القمع والتشويه اللاأخلاقي إلا أن هؤلاء الشبان والفتيات أطاحوا بحكومة عادل عبد المهدي، وفضحوا زيف أحزاب السلطة والجهات المسلحة، والحقوهم بهزيمة لا مثيل لها أمام الرأي العام والمجتمع.

وتضيف المتحدثة «لو نسأل أنفسنا قبل أيام قليلة من الانتفاضة، أي فتاة كانت بمقدورها أن تذهب إلى مكان رجالي مثل الباب الشرقي ولا تكون خائفة أو قلقة، نفس هذا المكان تحول بفضل الانتفاضة إلى بيت كبير ينعم بالأخلاق وتغيرت النظرة تماما عن السابق وحتى الان لا توجد مظاهر للتحرش رغم أن الانتفاضة تشهد الان ركودا وقتيا».

واجبات ومشاركة

ويعزو الناشطون مساندة المجتمع وساحات التظاهر للفتيات إلى الوعي الكبير الذي تولد في الانتفاضة. فقد أصبحت قضية المرأة من البديهيات، بالإضافة إلى الحرية الكبيرة التي تعاملت معها بنات الانتفاضة بسلوكيات مشرفة تدلل على ثراء هذا البلد من الناحية البشرية.

وشاركت النساء والفتيات بكل الأدوار الملحة في التظاهرات، فساعدن الرجال بتضميد المصابين وطبخ الأكل وتنظيف الأفرشة والأغطية وخيم الاعتصامات وغيرها، وأصبحن سندا للمحتجين في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها بعد مضايقات السلطات الأمنية.

وقالت عذراء صلاح (25 عاما) – التي كانت تقوم مع مجموعة طلابية بتنظيم التظاهرات وتغطيتها بالصور والفيديوهات ـ ان المحتجين من كلا الجنسين كانوا يعملون ضمن فريق واحد لتحقيق مطالب الانتفاضة، والسعي نحو بلد يضمن لهم الحياة الكريمة والمستقبل الذي ينعم به الشباب بالامان. لم أشهد خلال فترة وجودي أي سلوك للتحرش بالفتيات، كنا أخوة وأصدقاء وتبادلنا المهام وتعرضنا لأبشع أنواع القمع ولم نتراجع.

وتدعو صلاح الشعب العراقي إلى عدم نسيان الطعن والتشويه والأساليب الرخيصة التي مارستها الجهات المتنفذة من أجل حماية مصالحها، لأنها مهما بقيت في الحكم سيأتي اليوم الذي تحاسب فيه على كل ما اقترفته، مبينة أن المرأة في ساحة الاحتجاج عانت ما عاناه الشباب من خلال الاختطاف والاغتيال ومضايقات رجال الأمن والمليشيات.

أما الشاب المتظاهر لهيب محمد، فاوضح من جانبه أن أبناء الانتفاضة أدركوا وقدروا جيدا دور النساء، وحموا الفتيات من كل شائبة لأنهن شاركن بإسعاف المصابين وحمين بكماماتهن وقناني المشروبات الغازية صدروهم من الاختناق.

ويضيف محمد: كيف ننسى أدوارهن بالطبخ وتوزيع الطعام، ومن كان يتحدث عن التحرش أو غيره من الأساليب، خاب أمله وتحولت نساء الانتفاضة إلى تاريخ مشرف للمرأة العراقية التي تعاني ما تعاني بسبب الفاسدين، مؤكدا أن ظاهرة التحرش تلاشت في الانتفاضة ولا نراها الآن حتى بعد مرور عامين على هذا الحدث المفصلي، «لأنني أجزم بأن الحضور المليوني في ساحة التحرير كان أهم وأعظم مدرسة للشباب، وعلمتهم بفترة قصيرة كل ما يخالف البذاءة والتطرف التي أرادت السلطة ترسيخها في عقولهم. والجدير بالذكر أيضا أن نقول بأن عددا غير قليل من النساء استشهدن وأخريات تعرضن للإصابة، فضلا عن المختطفات والمهددات».

مجريات غير متوقعة

نظرة الشباب للبنت المشاركة في المظاهرات، يتحدث عنها الشاب الباحث في الشأن الاجتماعي، رياض محسن، الذي وصفها بأنها «لا تختلف عن نظرة الأخ إلى أخته في مواجهة مصير مجهول».

محسن يؤكد أن خلو التظاهرات من هذه الحالة «ليس متأتيا من طابع ملائكي أو نظرة عليا مثالية، لكن الحدث الثوري الذي حصل في تشرين، وفداحة الكارثة التي أصابت الشبان الصغار الذين فارقوا الحياة بمشاهد دامية، جعلت هذا الجيل الواعد والمتطلع يعيد النظر في حساباته، ويؤمن بأن مصير البلد أصبح بين أيديهم. هكذا كان الأمر وهكذا زاد زخم الاحتجاجات».

وتابع الباحث، أن «العراق قد يكون من ناحية عدد حالات التحرش بالنساء أقل من بقية البلدان العربية، لكن ظاهرة تقديس المرأة إلى هذه الدرجة وإجلالها وتقديمها الصفوف لم تكن بهذا الشكل سابقا، خصوصا مع انتشار الأعراف والتقاليد التي تدعو في غالبيتها إلى خلاف ذلك».

وأضاف، أن «تركيز الشباب في إنقاذ مصيرهم كان هو المحرك الرئيسي لهم. الحدث جعلهم يمتزجون ويذوبون في إطار الوطن ويتعاونون سوية لكسر الفجوة بين الجنسين، لينتج عن ذلك جيل يمكن أن نعتبره مثقفا من ناحية السلوكيات الاجتماعية».

وبيّن أن «بعض الجهات أطلقت حملة في بداية الانتفاضة حملت وسم (نزولك للمظاهرات يكسر ظهرنا) وحثت أطراف عديدة النساء على عدم المشاركة، لكن باءت هذه المحاولات بالفشل، وكان للنساء في عملية استئناف تظاهرات يوم 25 شباط 2019 دور كبير جدا، ويعتبر من أهم أسباب نجاح الانتفاضة».