3 اعوام مرّت على ارتكاب القتلة المجرمين جريمتهم الوحشية في محاولة لاسكات المنتفضين عن طريق استهدافهم بشكل مباشر. وظل صوت الأمهات الثكلى يتعالى في كل مناسبة وحين، مطالباً بالاقتصاص من قتلة أولادهن وبناتهن، الذين أزهقت أرواحهم البريئة بدم بارد خلال الاحتجاجات.

ورغم افتتاح البرلمان الحالي جلساته بتشكيل لجنة للتحقيق في احداث القتل والعنف، لكن المتنفذين عرقلوا هذا الامر أيضا، ولم يجر اي تحقيق جاد للكشف عن القتلة. وفي الحالات القليلة التي كشف فيها عن بعضهم، لم تتمكن الجهات المعنية من الإعلان عن النوايا الفعلية والأطراف التي تقف خلف هؤلاء السفاحين المحميين والمحصنين عن الحساب والعقاب والقصاص العادل. وفي خضم الأحداث، وبرزت قضية أمهات الشهداء المطالبات بالكشف عن القتلة وتصدرت الرأي العام.

والدة أول شهيد تتحدث

وتابعت “طريق الشعب” التصريحات التي أدلت بها أمهات الشهداء المنتفضين، التي لم تخل بقدر ما كانت مؤلمة، من مشاعر الاعتداد بالنفس والفخر بما قدمه أبناؤهن المغدورون.

والدة الشهيد مرتضى عادل المحمداوي، أول من سقط في ساحة التحرير، تستذكر ولدها بوجه حزين ودموع حارة، وهي تستعيد ذكرى ابنها الذي غدرت السلطة به في أول أيام تشرين.

تقول الوالدة الحزينة: “بعد أن انتفض الشعب، كانت حياة ابني كلها في ساحة التحرير، كان يسهر الليل ليتابع الأخبار، ومن ثم التحق بالشباب رغم محاولاتنا لثنيه عن ذلك خوفا من غدر الفاسدين. فهذا الشاب الذي درس في كلية العلوم السياسية، فهم جيدا ما معنى الوطن، وأين منبع الخلل فيما يجري. كان يحب بلده بشكل لا يصدق، وقبل أن يخرج في آخر ليلة له كتب في صفحته على موقع الفيس بوك (أننا على نهج الإمام الحسين.. العراق ينتصر.. العراق يتقدم)”.

وتضيف والدة مرتضى: “قتل ابني بدم بارد وفارق الحياة. أوجه رسالتي إلى كل الأمهات العراقيات بأن يربن أولادهن وبناتهم على حب الوطن، نحن خسرنا مرتضى لكننا مستمرون على هذا النهج، وأتمنى أن يكون الجميع كذلك لخلق جيل شجاع ينصر المظلومين ويدافع عن الوطن”.

مهند القيسي.. رحيل مبكر

وما تزال الأم العراقية تقدم المزيد من التضحيات وجراحها لم تندمل. ورغم فقدان الكثيرات لفلذة أكبادهن خلال الاحتجاجات، لكن المسؤولين وأعضاء البرلمان غضّوا بصرهم وتمسكوا بالمناصب والامتيازات وحموا القتلة بوقاحة قل نظيرها.

تتحدث أم الشهيد مهند القيسي، الشاب الذي تحول إلى ظاهرة احتجاجية وعاطفية في قلوب الكثيرين، وتكشف عن تفاصيل الغدر بابنها ذي الأربعة وعشرين ربيعا.

تقول الأم التي جعلت من قضية ابنها في صدارة الرأي العام أن “مهند الشاب الطموح خرج مع الآخرين في محافظة النجف للحفاظ على كرامة الشعب، فلا أحد يستطيع العيش بدونها. لم يكن محتاجا وكانت ظروفه جيدة لأنه ابني الوحيد، لكنه خرج باندفاع كبير لوعيه العالي بأهمية هذا الحدث الثوري. قتله الفاسدون والمجرمون في ساحة الصدرين بهجمة شرسة أودت بحياة العشرات في ليلتها، وسأواصل كشفهم في كل الساحات الاحتجاجية، ولن أتوقف حتى محاسبتهم. الحكومة تعلم من هم القتلة ولا تقدر على محاسبتهم”.

وتضيف قائلة: “في كل جريمة كانت تقع يقولون ان هناك طرفا ثالثا، لكنهم انكشفوا، فبخطابهم وتحريضهم وأفعالهم أصبحوا معروفين ولن نبقيهم مهما طال الزمن وارتفع الثمن”.

أية قسوة هذه؟

أما والدة الشهيد أحمد العبيدي، فتتحدث عن تفاصيل تلك الليلة المشؤومة وتمسح دموعها الحارة.

تقول وهي تمسك بصورة ابنها أن “أحمد هيثم العبيدي ابن لأب تم قتله عام 2007 خلال الاقتتال الطائفي الذي أشرفت عليه نفس الجهات المتورطة بقتل المتظاهرين. لقد ربيته بصعوبة كطفل يتيم فقد أباه، لكنه استشهد بتاريخ 21 / 11 / 2019 في ساحة التحرير خلال التظاهرات وفارق الحياة بعد عمر قصير لم يتجاوز 24 عاما. كان صغيرا ويطمح إلى تغيير الواقع البائس”.

وتضيف وهي تستذكر تلك اللحظات “حاولت ردعه عن الالتحاق في التظاهرات، وقال لي أنني لن أتخلى عن أخواتي وإخوتي في ساحة التحرير والسنك والخلاني، كان غيورا على وطنه وشعبه وأراد أن يقدم أي خدمة ليثبت نفسه وصدق اندفاعه. فشلت كل محاولاتي ولم أكن أعلم كيف ينام أبني في ساحة التحرير، وهل كان يأكل أم لا، لكنه دائما يطمئنني ويمازحني. وفي آخر يوم زار بيته، دخل ليستحم وتناول الطعام ورأيت أدوية كثيرة في حقيبته أعلمني بأنها لمعالجة وإسعاف المتظاهرين الجرحى. راوغ أخاه الكبير وتسلل خارج المنزل. لحقته في اليوم التالي ورغم إلحاح أصدقائه على مرافقتي للمنزل لأني كنت مريضة، رفض ذلك واستشهد في اليوم التالي مع طبيبة شابة كانت تعمل معه بنفس الفريق وفارقت الحياة بقنبلة دخانية استقرت في رأسها الصغير”.

وتوضح الوالدة أنها “سمعت مع العائلة بخبر استشهاده رغم أنه كان يكلمهم قبل دقائق عبر الهاتف. فلقد ذهب الشهيد أحمد إلى مكان خطير من أجل إنقاذ حياة المصابين، ولم يعلم بأن حياته كانت في لحظاتها الأخيرة. وأثناء معالجته لمصاب، رفع رأسه من خلف القطعة الكونكريتية ليرى الجانب الآخر، وسرعان ما استقرت رصاصة في بلعومه وأردته قتيلا”.

وتؤكد قائلة “لن أتنازل عن دم ابني وروحه البريئة. سأبقى إلى آخر يوم في عمري أفضح أساليب المجرمين حتى أرى المتورطين خلف القضبان”.

ثائر الطيب يبكي الملايين

من عرف الشهيد الشاب ثائر الطيب، فانه بالتأكيد عرف الأعمال الخيرية التي كان يقدمها والمساعدة التي لا يبخل بها على المحتاجين والمرضى والفقراء. لكن ذلك لم يكف ثائر ولم يحمه من قنبلة لاصقة فجرت سيارته وكبّدت محافظة الديوانية والوطن خسارة مفجعة.

الشاب الودود الذي كان مقبلا على الارتباط الزوجي وفرحا بذلك، أصبح زفافه تشييعا مهيبا حضره آلاف المواطنين الذين أذرفوا الدموع وأكدوا له قبل أن يوارى الثرى استمرارهم بالانتفاضة وعدم التراجع.

وتقول أم ثائر “فارق أبني الحياة بتاريخ 25  / 12  / 2019 في محافظة الديوانية. لقد كان طيبا ولديه علاقات اجتماعية واسعة، موته شكّل صدمة مهولة للمواطنين بعد جريمة اغتياله الغادرة. كان ثائر منشغلا من بداية النهار وحتى الليل بمساعدة الناس، وتكفل بإغاثة المحتاجين والمرضى، طيبا حنونا ومعروفا بين أبناء محافظته”، مضيفة “في أحد الأيام أراد الخروج وكنت قلقة جدا بسبب توتر الأوضاع وقمع التظاهرات، تناول مع صديقه وجبة طعام وغير ملابسه ومازحني قبل أن يخرج. وبعد دقائق من خروجهم في السيارة سمعنا صوت انفجار مدوي اعتقدنا بالبداية انه أحد الاعتداءات على ساحة التظاهرات، ولم نكن ندري بأنه صوت القنبلة التي تفجرت تحت مقعد ثائر وهو يقود سيارته”.

ووفقا للمشاهد التي تصورها الوالدة المفجعة “بقي ثائر لأيام في المستشفى، وعندما تمكنت من زيارته حرك رأسه قليلا وأصابعه تجاهي. كنت أعلم بان أبني سيفارق الحياة وبالفعل حصل ذلك في اليوم الثاني. رحل أبني وتركني مكسورة ومحطمة”. وتابعت “كان ثائر الطيب طيبا كاسمه، شخصية لا توصف، نذر حياته للمحتاجين، لماذا قتلوا أبني وما الذنب الذي اقترفه؟”.

ورغم اعتقال القوات الأمنية لاحد عناصر المليشيات الذي يعتقد انه المسؤول عن اغتيال الطيب، الا ان الحكومة لم تصدر توضيحا عن الامر لغاية الان.

وبين المشاهد المؤلمة التي تصورها أمهات الشهداء، لا يمكن نسيان مشهد الفتى الذي قتل في إحدى ساحات التظاهر ونقل إلى المستشفى دون علم أهله.

وانتشر في حينها فيديو جسد هذه اللحظة الكارثية، فكان الشباب يبكون حول جثة صديقهم الشاب، ليرن هاتف الشهيد في تلك اللحظة وإذ بوالدته تتصل عليه للاطمئنان، فتعالت أصوات الصراخ لأن المتواجدين لا يستطيعون الإجابة وإبلاغ الأم بوفاة صغيرها الذي يرتدي فانيلة نادي القوة الجوية، بطريقة غادرة. وانتشرت صور وفيديوهات على نطاق واسع خلال الاحتجاجات رغم قطع الانترنت لأيام؛ ودونت الجرائم البشعة التي نفذتها بعض القوات الحكومية وميلشيات مسلحة كانت منتشرة وتستهدف المتظاهرين العزل.

وفي مقابل ذلك، أتهم رئيس الحكومة، حينها، المتظاهرين بالتخريب ونصحهم بالعودة إلى بيوتهم و(إعادة الحياة الطبيعية إلى الشوارع) بينما راحت قنوات كثيرة تصف المتظاهرين والشهداء بالعملاء والخونة والمنقلبين على العملية الديمقراطية. وحرضت هذه القوات والجهات التي تقف خلفها علنا وبكل وضوح على قتلهم، وبررت اغتيال آخرين مثل الشهيدة الناشطة ريهام يعقوب في محافظة البصرة، والتي برر قلتها أحد نواب البرلمان في لقاء متلفز أثار غضب الرأي العام بعدما لوّح بأنها “عملية للسفارة الأمريكية”.

شهيد ميسان الفتي

أم الشهيد إبراهيم كاظم المحمداوي في ميسان، تجسد لحظة قتل أبنها بتاريخ 26  / 10  / 2019 وهو أبن منطقة حي الشهداء الفقيرة.

تقول الأم “ربيت أبني في أيام عصيبة، رافقتها ظروف العوز والخوف من المصير المجهول، ورغم كل ذلك قتل وهو في ريعان صباه بطريقة باردة وقاسية أثناء نزوله إلى الاحتجاجات مع شباب محافظة ميسان. كان أبني في الصف الثالث المتوسط، حرقوه وأعادوه إلينا جثة متفحمة. أخوته الكبار يعانون البطالة وهو محروم من أبسط حقوقه كصبي. أطالب الحكومة بإنصافي وإعدام قاتله الذي انكشف والقي القبض عليه”.

وتتساءل عن “الغاية من إبقاء القاتل في السجن دون تحقيق حكم الإعدام بحقه، بينما الشباب الوطنيون غادروا الحياة بطريقة مؤلمة. يجب أن تنفذ الأحكام مباشرة بحق المجرمين ليكونوا عبرة لا تنسى”، مضيفة “قدم أبني نفسه فداءً للوطن بدون أي تردد أو خوف. هو وغيره سئموا الظلم والتهميش والعوز الذي يعيشون به بينما أبناء المسؤولين يتنعمون بخيرات البلد وحدهم”.

عمر سعدون.. جرح العراق النازف

وتحول الشهيد عمر سعدون إلى أيقونة احتجاجية، وملأت صوره الساحات في مختلف محافظات العراق.

والدة الشهيد عمر ابن ذي قار الذي ولد سنة 1998 واستشهد بتاريخ 28  / 11  / 2019 تقول إن الجرائم التي ارتكبت بحق المنتفضين “يجب تدوينها لتعرف الأجيال القادمة أي وحوش ضارية حكمت العراق”.

وتؤكد أن “التاريخ كتب بدماء شباب العراق الذين استشهدوا. كان عمر طالبا في المرحلة الثانية /  قسم الإعلام. ويحلم بأن يكون اسما لامعا في تقديم البرامج الرياضية، يشجع فريق الزوراء الرياضي الذي رفع لاعبي وجماهير النادي صورته في الملاعب”، مضيفة “ابني الشهيد من المتذوقين للآداب ومحب للشعر الشعبي ومتأثر بالشاعر الراحل عريان السيد خلف. كما حضر الكثير من الأمسيات الشعرية والأدبية داخل المحافظة، ويتوجه دائما إلى شارع المتنبي وسط بغداد ليلتقي بالأصدقاء ويقتني الكتب. كان يمتلك مزايا الشاب الطامح المسالم وينتمي لعائلة تحب وطنها، قمت بتربيته بصعوبة بالغة، وقتله المجرمون بدم بارد وبدون أي سبب وفجعوني برحيله كما فجعت كل الأمهات المكتويات بحرقة الفراق. يجب أن يكشف عن القتلة وهذا ما سنبقى نطالب به مهما طال الزمن”. وكتب الناشطون آراء عديدة حول الشهيد عمر. حيث اعتبروه الجرح النازف لذي قار والعراق، وقتل مرتين؛ مرة بالرصاص الحي ومرة أخرى عندما احتفل الأوباش المجرمون بموته، كما فعلوا وحرضوا على الآخرين المغدورين.

وواصلت الأمهات في مختلف المحافظات مطالباتهن للكشف عن قتلة أولادهن، كوالدة الشهيد محمد الموسوي، والشهيد نور الكناني، والشهيد فهد العلياوي، والشهيد حيدر القبطان، وغيرهم المئات. في حين كان هناك جانب آخر من القصة، فالشهداء أيضا آباء وأزواج وأخوة، فمثل الشهيد الشاعر علي اللامي، أبن واسط الذي قتل ببغداد بعد ثباته بساحة التحرير، ترك خلفه عائلة وأولاد وبنات ومجاميع شعرية تستحق أن ترى كاتبها ينعم بالحياة وينشر الجمال، مثله مثل الشهيد سلام العامود الذي قتل أثناء توجهه للتبرع بالدم للجرحى المنتفضين، وصفاء السرّاي الشاب المتمرد على الواقع البائس، وإياد عباس الذي يحمل شهادة الماجستير في الإعلام، وعاطل عن العمل رغم مسؤوليته عن إعالة خمس بنات، علي وآخرين في قوائم الموت المجاني.