تقف وراء المصانع المعطلة أسباب عديدة تمنع انتشالها من الركام، في مقدمتها سوء التخطيط الذي تفرزه منهجية المحاصصة، التي تفرض على المنتج الوطني رسوما مضاعفة واجراءات معقدة، في حين تضع فرشة مغرية من التسهيلات أمام المنتجات الاجنبية المنافسة.

دولة خارج إطار العمل

وقدّم اتحاد الصناعات العراقي، الأحد الماضي، إحصائية عن عدد المصانع المسجلة وغير المسجلة لديه، فضلا عن المُعطل منها.   

ووفقا لرئيس الاتحاد، عادل عكاب، فإن “المعامل المسجلة لدى الاتحاد تبلغ نحو 60 ألف مصنع، منها 43 ألف معطّل. أما غير المسجلة فهي تقدر بنصف أعداد المصانع المسجلة أو أكثر”.

ويلفت إلى أن أسباب عدم تسجيل المصانع تعود إلى “البيروقراطية في الدوائر الحكومية، فضلا عن تحميلها ديوناً وإيجارات مرتفعة من قبل عقارات الدولة أو البلدية، بالإضافة إلى إغراق السوق بالبضائع الأجنبية التي لا يستطيع الإنتاج المحلي منافستها، خاصة بعد رفع بعض الإعفاءات الجمركية مؤخرا”.

ويواجه القطاع الصناعي معرقلات كثيرة يضعها “النظام” أمام أي فرصة استثمارية أو تنموية، بينما يسهّل عمل المنافس الأجنبي.

ويقول مراقبون، إن هذه الإجراءات وشح التخصيصات المالية في الموازنات الاتحادية، هي علامات واضحة تدلل على المنهجية المقصودة لتدمير الصناعة.

وعن هذا الشأن، يقول عكاب إن “الكمارك كانت تأخذ من المعامل المحلية على الطن الواحد 23 دولاراً، ومن ثم أصبح 150 دولاراً، وحاليا 62 دولاراً، وكان يفترض على الحكومة أن تحافظ على الصناعة المحلية، فهي ترفع الكمارك على المنتج العراقي، وفي الوقت نفسه تعفي بعض المستورد منها. إضافة إلى أن الدوائر الحكومية لا تتجاوب مع أصحاب المصانع ووزارة النفط لا تجهزهم بالوقود (الكاز) وفي حال أوجدت لديهم هذا النوع من الوقود، فتعتبره تهريبا وتفرض إجراءات قانونية عديدة، أبقت أصحاب المصانع في حيرة من أمرهم”.

ويلفت المتحدث إلى أن “هذه السياسة تسببت بتسريح أعداد كبيرة من العمال بعد توقف المصانع، فقبل نحو سنة كان لدينا مليون و300 ألف عامل في المصانع المسجلة لوحدها، أما الآن فهناك هبوط حاد في تشغيل الأيدي العاملة، ولا توجد آذان صاغية لهذا الموضوع”.

لا مقومات لبناء الصناعة

من جانبه، يرى عدنان الصفار، أمين عام اتحاد نقابات عمال العراق، أن هذه الأرقام وهذا الواقع المرير للصناعة يدل على عدم توفير الدولة وكل الجهات المعنية، أية مقومات لإحياء الصناعة الوطنية التي يساهم فيها القطاع الخاص.

ويبيّن الصفار لـ”طريق الشعب”، أنّ رؤية إعادة الدور للصناعة الوطنية “غائب تماما”، وهناك “عجز كامل عن توفير مستلزمات النهوض بها، والقطاع الخاص يشكو من عدم توفر الأمن والمواد الأولية والكهرباء التي تعتبر مصدرا أساسيا لتشغيل المعامل، فضلا عن المنافسة غير المتوازنة مع الاستيراد العشوائي المفتوح”، مضيفا أن “الأمر بسيط، كلما تزيد أعداد المعامل المعطّلة، تزيد أعداد العاطلين، وهذا يولد مشاكل أكبر بينما أصبح سوق العمل في أسوأ حالاته”.

ويعزو الأمين العام أسباب تدهور الصناعة إلى “المحاصصة والفساد الذي يتسبب بكل هذا الخراب”. وعلى سبيل المثال أن “صاحب المشروع الصناعي عندما يتعامل مع مؤسسات الدولة، فإنه يتعرض إلى الضغوط من أجل دفع الرشاوى والرسوم غير القانونية. نلاحظ مزاد بيع العملة يصرف أموالا طائلة على الاستيراد الذي لا ينفع الصناعة الوطنية بشيء” بحسب وجهة نظره.

وعن الغاية من رفع الكمرك أمام المنتجات الوطنية وتخفيضها للمستورد الأجنبي، يقول الصفار ان هذه خطوة يراد من خلالها “تعطيل قطاع الصناعة العراقي من كل نواحيه، سواء في القطاع العام أو الخاص وحتى المختلط”. ويصف الصفار هذه السياسة بأنها “منهجية تعمل على تدمير القطاع الصناعي. لذلك واجهتها انتفاضة تشرين وكل المحتجين لأنها أصبحت واضحة”.

أين الصناعة من حوارات السلطة؟

وتعد أبرز مشاكل القطاع الصناعي بنظر الباحث في الشأن الاقتصادي، مصطفى البلداوي، هي “عدم شراء وزارات الدولة المنتجات المحلية عدا الشيء القليل، وهذا مرتبط برؤوس الفساد الذين يعقدون صفقات هائلة توفر لهم الأرباح من الاستيراد الخارجي والقطاع الخاص الذي استحوذ عليه متنفذون”.

وحتى في صناعة مادة الإسمنت التي نجح العراق فيها، يشدد الباحث على أن “الشركات الحكومية تعمل حاليا بنصف طاقتها الإنتاجية، والسبب يعود لعدم إقبال الوزارات على الشراء منها، بينما استحوذت شركات القطاع الخاص على ما يقارب 75 في المائة من إنتاج الإسمنت. إضافة إلى قدم معامل الحكومة وعدم الحرص على الدخول بقوة إلى هذا المجال، لتعزيز نشاط الدولة الاقتصادي”.

ويردف البلداوي في حديثه لـ”طريق الشعب”، قائلا: “تحدثت الحكومة كثيرا عن أهمية ورقتها (البيضاء). وقبل أيام قليلة قال رئيس الوزراء من نيويورك إن نمو الاقتصاد العراقي في مراتب متقدمة، بينما فشلت حكومته فشلا ذريعا في الاقتصاد والصناعة على وجه الخصوص”، مضيفا أنه “في عام 2020 طرح الكاظمي ضمن منهاجه الحكومي مبادرة (صنع في العراق) وهي لم تحقق النهوض المخطط له”.

ويلفت إلى أن “التخصيص المالي للصناعة في الموازنة الاتحادية لعام 2021 بلغ 33.220 مليار دينار فقط، وهي نسبة ضئيلة جدا. وشكّلت نسبتها في موازنة عام 2019 مقدارا ضئيلا جدا يتمثل بـ 0.9 في المائة فقط. ومن هذه الأرقام يمكن معرفة حجم التدمير الذي يطال القطاع الصناعي والتعمد في تهميشه وإهماله”.

ويخلص الى أن “حوارات قوى المحاصصة الحالية لا تشير ـ بأي شكل ـ إلى الصناعة وغيرها، وهي تركز على تقاسم الوزارات والاستئثار بأموالها، لذلك لا بد من القول إن هؤلاء لن ينتجوا أية ظروف ملائمة لإحياء الصناعة مجددا، ما لم يحدث تغيير جاد في بنية النظام السياسي”.