تُسجّل المدن العراقية تصاعداً في هجرة الأطباء وذوي التخصصات الطبية المختلفة إلى خارج البلاد، بحثاً عن واقع مهني ومعيشي أفضل، رغم تصريحات سابقة ومتكررة للسلطات الصحية بوجود نقص في الكوادر الطبية، وبسعيها لترغيب الأطباء المهاجرين في العودة مقابل عروض مغرية، من بينها توفير السكن والمرتب.

وفي المقابل، تتواصل بلاغات الاعتداءات على الطواقم الطبية والصحية في مختلف مدن العراق، رغم تعهدات سابقة للسلطات الأمنية بتغليظ العقوبة على المعتدين.

وسجلت مدينة السليمانية قبل أسابيع، حالة اعتداء على طبيب في مركز صحي بعد وفاة رجل مسن. إذ ضرب عدد من ذوي المتوفي الطبيب بذريعة عدم قيامه بإنقاذه.

وشكّلت جائحة كورونا تحدّياً كبيراً أمام القطاع الصحي العراقي، الذي فقد أكثر من ألف طبيب وموظف صحي خلال تفشي الفيروس، إلى جانب تضرر البنى التحتية بسلسلة حرائق كانت نتيجة خروج الأوضاع عن السيطرة بعد استقبال آلاف الحالات الحرجة يومياً.

نقص حاد في الأطباء

تنقل وكالة أنباء “العربي الجديد” عن مسؤول في وزارة الصحة قوله ان “هناك نقصاً حاداً في عدد من الاختصاصات الطبية في ظل استمرار هجرة الأطباء إلى الخارج، وتحديداً اختصاصات التخدير والأورام السرطانية وجراحة الأعصاب والأوعية الدموية والصحة النفسية، إلى جانب اختصاصات فنية مثل الأشعة والسونار والإيكو وغيرها”، مؤكداً أن “العراق بحاجة أيضاً إلى 16 مستشفى بشكل عاجل، ونحو 30 ألفا من تلك الاختصاصات”.

ويشير المسؤول الذي لم تعلن وكالة الأنباء عن اسمه، إلى أن “برنامج إعادة الأطباء المهاجرين للعراق، متعثر بشكل شبه كامل، وهناك هجرة لهذه الشريحة كانت بداعي إكمال الدراسة وأخذ التخصص الأعلى، أو العمل، لكن المهاجرين لا يعودون مرة أخرى إلى العراق”.

ويعتبر أن “إجازة السنوات الخمس للموظف التي أقرتها الحكومة العام الماضي كإجراء لمواجهة الأزمة المالية، كانت أحد أسباب تفاقم نقص الكوادر الطبية والصحية. إذ سُجلت العام الحالي مغادرة أكثر من ألف طبيب تحت حجج وذرائع مختلفة، بينها الدراسة وظروف خاصة، لكن على الأغلب أنهم قرروا إكمال حياتهم خارج العراق”.

لا وجود لدولة مؤسسات!

الطبيب د. حيدر الطائي، أحد الذين غادروا العراق عقب 2003، بعد أن سجلت بغداد والمحافظات عشرات عمليات الاغتيالات بحق أطباء وكفاءات مختلفة على يد عصابات إجرامية.

يقول في حديث صحفي، أن “المشكلة الحقيقية التي تواجه القطاع الصحي السيئ في العراق، هي عدم وجود دولة تحكمها المؤسسات، إضافة إلى سيطرة بعض الأحزاب والميليشيات على مفاصل الدولة”، مضيفا قوله أن “هجرة الأطباء قبل الاحتلال الأمريكي كانت بسبب الوضع المادي الصعب، أما بعد الاحتلال فقد ظهرت أسباب أكثر، أبرزها الوضع الأمني المتردي، وعدم توفر منظومة صحية صحيحة، فضلا عن الاقتتال الطائفي والتهجير والتهميش، وغياب مؤسسات الدولة الحقيقية”.

بنى تحتية متهالكة

في وقت سابق، أعلنت الحكومة توجهها نحو استقدام فرق طبية أجنبية لعلاج المرضى العراقيين بدلاً من إرسالهم إلى الخارج. إذ يسافر سنوياً عشرات آلاف المواطنين إلى دول أبرزها الهند وتركيا وإيران والأردن ولبنان للعلاج على نفقتهم الخاصة.

وفي هذا السياق يقول الطبيب أحمد العاني الذي يعمل في أحد مشافي بغداد الحكومية، أن “العراق ليس بحاجة ماسة لاستقدام أطباء من الخارج، بقدر حاجته إلى رفع مستوى الواقع الصحي الحالي” – في إشارة إلى نقص أعداد المستشفيات وتهالك البنى التحتية في المؤسسات الصحية الموجودة.

ويتابع قوله في حديث صحفي، أن “الاستقدام سيحل جزءاً من المشكلة، لا كلها، وعدد الأطباء الموجودين في العراق كافٍ، إلا أن الدولة لا تشجعهم على البقاء، ولا توفر لهم تعيينات في القطاع الحكومي، ما يضطرهم إلى البحث عن فرص أفضل خارج البلد”.

“عشوائية وفوضى”

إلى ذلك، يقول عضو نقابة الأطباء العراقيين، أحمد عبد الكريم الشيخلي، أن “الهجرة لا تقتصر على الأطباء فقط، إنما هناك شرائح كثيرة مثل المهندسين وأساتذة الجامعات وغير ذلك من الاختصاصات، يسعون إلى الهجرة، مبينا في حديث صحفي أن “العامل الاقتصادي والبحث عن مكان آمن اجتماعياً ومستقر ومريح هو الدافع الأكبر”.

ويرى الشيخلي أن “الاعتداءات التي تواجه الأطباء تراجعت كثيراً في الفترة الماضية، لكن الطبيب مثله مثل غيره من العراقيين يريد العيش وأسرته في مكان مستقر ومريح”، لافتا إلى أن “العشوائية والفوضى في القطاع الصحي لو عولجت واعتُمِدَت الإدارة الحديثة والنظام الإلكتروني في التعامل اليومي، لما كان هناك نقص في الكوادر الطبية، خاصة مع وجود دفعات طبية تُخرَّج سنوياً في الجامعات العراقية”.