يعد ملف المياه ملفا استراتيجيا لدى أية دولة في العالم، يزداد أهمية مع تفاقم حالتي الجفاف والتغيّر المناخي الذي يجتاح العالم، الا ان الوضع في العراق مختلف جذريا؛ فالحكومات المتعاقبة لم تولِ أي اهتمام لهذا الملف، برغم التحذيرات المستمرة من احتمالية عدم القدرة على توفير مياه الشرب في حال استمرار الجفاف.

صعوبة في تأمين المياه

وفي احدث تصريح لوزارة الموارد المائية، حذرت من صعوبة تأمين مياه الشرب والسقي في الموسم المقبل حال ارتفاع مستوى الجفاف الى الحد الثالث.

وقال مدير المركز الوطني العراقي لإدارة الموارد المائية في الوزارة، حاتم حميد إن “الاطلاقات المائية من السدود مخططة للموسم الشتوي والموسم الصيفي الحالي، إذ اعتمدنا على الخزين المتاح إضافة إلى الإيرادات التي تردنا”.

وأضاف أنه “تم تخطيط الاطلاقات بشكل يضمن العدالة لجميع المحافظات لتأمين أولوية للشرب ومياه سقي البساتين الزراعية بنسبة 50 في المائة، إضافة إلى اطلاقات باتجاه الأهوار لتأمين مياه الشرب والسقي”، موضحاً أن “المياه المطلقة من نهر دجلة باتجاه هور الحويزة لا تكفي سوى لسد مياه الشرب للسكان الذين يسكنون الأهوار”.

وتابع أن “المياه محدودة في الخزانات ولا يمكن إطلاقها كلها”،  مشدداً على “ضرورة استدامة المياه بالخزانات للموسم الشتوي المقبل”.

وأكد أن “الموسم الحالي هو الثالث الذي نعاني فيه من الشحِّ المائي، حيث إن الإطلاقات المائية أكثر من الإيرادات”، لافتاً إلى أن “هناك خطة ستراتيجية لإدارة الجفاف”.

وأكمل “نحن حالياً في الحد الثاني من الجفاف وفي الموسم المقبل، من الممكن أن يصل الانخفاض إلى الحد الثالث وهو شحٌّ قاسٍ جداً وسوف نواجه صعوبة كبيرة في تأمين مياه الشرب وسقي البساتين”، منبها الى “الحاجة لتعاون المواطنين والحكومات المحلية وعدم التجاوز على الحصص المائية حتى نستطيع تأمين مياه الشرب ومياه السقي للسنة المقبلة”.

وأشار إلى أن “سوريا كانت تطلق كمية أكثر من حصة العراق للمساعدة في حل مشاكل الشحّ المائي داخلياً، إلا أنها انخفضت إلى أقل من 50 في المائة”، عازياً السبب إلى “قيام تركيا بخفض الاطلاقات المائية لنهر الفرات الوارد إلى سوريا والعراق”.

وبين أن “الاطلاقات المائية لنهر دجلة من قبل تركيا أقل من الحصة المقررة نتيجة الشحّ المائي”، لافتاً إلى أن “وضع السدود التركية جيد، ومن الممكن زيادة الاطلاقات باتجاه العراق لتجاوز الشحّ”.

وأكد أن “الجانب التركي وعدنا بزيادة الاطلاقات لكنها حتى الآن ليست بالمستوى المطلوب”. 

دجلة في خطر

ورغم التطمينات الحكومية المستمرة حول الاطلاقات المائية من تركيا لكن الواقع يفسر غير ذلك؛ إذ أن أنقرة مستمرة في بناء السدود واحتكار المياه، واخر السدود هو سد الجزرة الذي سوف يقتل نهر دجلة، وفقا لخبير الموارد المائية نبيل الوندي.

وأشار الوندي الى ان “السلطات التركية تسعى منذ قرابة 10 سنوات للشروع في بناء سد الجزرة على نهر دجلة على مقربة من سد اليسو”، لافتا الى ان “المشروع سيؤدي الى عواقب كارثية على العراق وسيقلل من حصته بنسبة كبيرة جدا”.

وأضاف الوندي، ان “الحكومة لم تقدم اي اجراء حيال مشروع الجديد الذي سيؤدي الى انتكاسة كبيرة لمناطق واسعة من العراق وربما يقود إلى اكبر كارثة جفاف في تاريخه”، مؤكدا “ضرورة الانتباه للمشاريع التركية الجديدة على منابع دجلة والفرات والسعي لخلق تقاسم عادل للموارد الماضية”.

وبيّن ان “العراق يملك اوراق ضغط عدة في حماية مصالحه المائية لكن ضعف الحكومة وصمت بعض القوى السياسية سيقود البلاد الى مرحلة صعبة جدا في السنوات المقبلة اذا ما تم الانتهاء من سد الجزرة وغيرها من المشاريع الاخرى التي تهدف الى تغيير مسارات الانهر والجداول المائية”. 

حلول مطروحة

الى ذلك، يعد الباحث في الموارد المائية قصي لازم، الجفاف في العراق مشكلة اجتماعية لا بد من تظافر الجهود من اجل تجنب تبعاتها الكارثية، داعيا الى الإسراع في إيجاد حلول للمشكلة قبل تفاقمها وخروج الوضع عن السيطرة.

وقال لازم: إن تناحر المتنفذين وولاءهم الخارجي كان سببا رئيسيا في فقدان العراق حقوقه المائية، وتجاوز دول المنبع على الحصص المائية، مشددا على ضرورة التفاوض بشأن موضوعة المياه مع تركيا وايران على اعلى المستويات وعدم ترك الامر للمستشارين والفنيين الذين يقع على عاتقهم تحديد مصلحة العراق، لكن التفاوض عليها هو من مسؤولية اعلى السلطات في الدولة العراقية.

وأضاف ان شح المياه يفرض على العراق اتخاذ إجراءات إصلاحية داخلية مثل إزالة التجاوزات وتحديد الحصص المائية وعدم زراعة المحاصيل الزراعية التي تحتاج للوفرة المائية مثل الشلب، مبينا ان المياه الجوفية يمكن لها ان تكون جزءا من الحل في حال إدارة هذا الملف بشكل صحيح.

وفي ختام حديثه، دعا لازم الحكومة للاضطلاع بدورها في معالجة المشكلة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وعدم انتظار وقوع الكارثة.