لم يتخيل صيادو السمك في الأهوار العراقية يوماً أنهم سيهجرون مهنة ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، حتى أخذ الجفاف بفعل أزمة المياه الأخيرة، يتمدد على مناطقهم اكثر واكثر ليهدد مهنتهم بالانقراض، بعد أن خيّم على مجمل نشاطاتهم الحيوانية والنباتية.

ومعروف عن صيادي السمك في هذه المناطق، امتلاكهم مهارات متعددة في الصيد. فهم يستخدمون الخيوط والصنارات والشراك والخطاطيف، فضلا عن الصيد باستخدام العوّامات – وهذا بحسب ما يذكره عدد منهم في حديث صحفي.

صحراء قاحلة

عضو جمعية الصيادين العراقيين محمد الفرطوسي، يقول أن “الصيد لم يعد مهنة أساسية في مناطق الأهوار، وذلك لأسباب عديدة أبرزها الجفاف وعدم وجود أي دعم أو رعاية حكومية لهذه المهنة”.

ويضيف في حديث صحفي، أن “الأهوار أصبحت شبه صحراء قاحلة رحل عنها أغلب سكانها بحثاً عن مصادر بديلة للعيش، بعد أن احتضرت مهنة الصيد نتيجة الجفاف الذي أحدثته قلة الأمطار وقطع مياه الأنهر من قبل تركيا وإيران، إلى جانب الإهمال المتعمّد من قبل الحكومة”.

ويرى الفرطوسي أن “أوضاع الأهوار تنذر بكارثة حقيقية بعدما ضربها الجفاف بوتيرة متصاعدة خلال الأسابيع الماضية”. ويضيف أن “آلاف العائلات التي تمتهن صيد الأسماك منذ عشرات السنين قُطعت مصادر عيشها وباتت مهددة بالجوع، نظرا لاعتمادها الكلي في تأمين قوت يومها على هذه المهنة بالإضافة إلى مهنة تربية الحيوانات”.

انقطاع عصب الاقتصاد

من جهته يؤكد علي العكيلي، وهو أحد صيادي السمك في أهوار الجبايش بمحافظة ذي قار، أن “موسم الصيد هذا العام يختلف كثيراً عن الأعوام السابقة، بسبب شدة الجفاف التي أدت إلى تصحّر الأهوار بشكل تام وانتهاء مهنة الصيد بالكامل”، موضحا في حديث صحفي أن “الثروة الحيوانية تواجه تحديات كبيرة في مناطق الأهوار، خصوصاً الأسماك التي تعتبر مصدر دخل للسكان، لذلك أن عصب الاقتصاد المحلي في هذه المنطقة على وشك الانقطاع بسبب الجفاف”.

ويشير العكيلي إلى أن الأهالي الذين يعتمدون على مهنة صيد الأسماك وتربية الحيوانات، باتوا يبحثون عن أماكن سكن بديلة ومهن أخرى، لافتا إلى أن “السكان القريبين من الأهوار فقدوا أكثر من 60 في المائة من ثروتهم الحيوانية من الأسماك والجواميس، وهم اليوم لا يمتلكون أي موارد أخرى تعينهم على مواجهة مصاعب الحياة اليومية، فأصبحوا في حال يرثى لها”.

ويؤكد أن “كل ما موجود اليوم من أسماك في أسواق ميسان مثلا، مستورد من إيران”، مبينا أن “أسماك الأهوار المتميزة بمذاقها الطيب مثل البني والشبوط والكارب، باتت شبه مفقودة في الأسواق المحلية”. 

السكان غاضبون

يخرج سكان مناطق الأهوار بين حين وآخر، في احتجاجات للتعبير عن غضبهم واستيائهم من شح المياه وتدهور أوضاعهم المعيشية.

ويقول المواطن حسام المولى، أن “أهوار أم نعاج والجبايش التي كانت قد انضمت عام 2016 إلى لائحة التراث العالمي، يتجاوز عدد سكان القرى القريبة منها 5 آلاف شخص، وهؤلاء يعانون اليوم شح المياه والجفاف الذي أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الأسماك وهجرة الطيور”. ويضيف في حديث صحفي قائلا أن “أغلب سكان تلك المناطق يمتهنون صيد الأسماك وتربية الجاموس منذ عشرات السنين. وقد تصاعد تذمرهم بعد أن توقفت أعمالهم، مع خشيتهم من استمرار الوضع على ما هو عليه أو يسوء أكثر من ذلك”، لافتاً إلى أن “الوضع الاقتصادي لسكان تلك المناطق ضعيف جداً، وهو ما يدفعهم للانتقال إلى مناطق أخرى بحثاً عن مصادر رزق بديلة”.

كارثة حقيقية

إلى ذلك، يقول الخبير الزراعي عادل المختار، أن “انخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات شديد جداً وينذر بكارثة حقيقية قد تصيب مناطق الوسط والجنوب بشكل عام، خصوصا مناطق الأهوار”، مؤكدا في حديث صحفي أن “هذا الجفاف يهدد الثروة الحيوانية، خصوصاً الأسماك والجاموس والطيور”. ويضيف أن “مهنة صيد السمك من أشهر المهن في الأهوار والمناطق القريبة منها، ومن الصعب أن تنتهي بهذه السرعة”، معتقدا أن “الثروة السمكية يمكن أن تعود لسابق عهدها بمجرد ترشيد استهلاك المياه وزيادة الإطلاقات المائية باتجاه الأهوار”.

ويشير المختار إلى أن “الحكومة، بالرغم من خطورة الوضع المائي للعراق وتهديده الثروة الحيوانية، تقف عاجزة أمام هذا التحدي”، داعيا إياها إلى “تحرك عاجل لإنقاذ سكان الأهوار من كارثة حقيقية”.