بعد ثماني سنوات من اجتياح الإرهاب لمناطق واسعة في المحافظات، وخمس سنوات من نجاح عمليات التحرير وطرد عصابات داعش الإجرامية، ما زال ملف النازحين مفتوحا وفيه الكثير من الأرقام التي تدل على مأساة إنسانية كبيرة.

نعم، الدولة نجحت في غلق غالبية مخيمات النازحين بعد جهود حثيثة لكن الأرقام الدولية والمحلية تشير إلى وجود مئات الآلاف من النازحين داخليا، وهم الذين يسكنون خارج المخيمات والذين تحول ظروف كثيرة دون عودتهم إلى مناطقهم.

ليس ضمن الأولويات

ملف النزوح الداخلي من الملفات الشائكة والذي يتضمن قصصا مأساوية كثيرة جدا. وتقول الأرقام الدولية أن هناك قرابة مليون ومائتي ألف عراقي يعانون من النزوح الداخلي ولا يقدرون على العودة.

ووفقا لتقرير برنامج الأغذية العالمي الذي صدر اخيراً، فإن عوامل مثل غياب الأمن والفشل في إعادة بناء البنى التحتية والصراعات المتقطعة والتغير المناخي تمنع النازحين في الداخل من العودة إلى منازلهم وتجعلهم في حاجة إلى المعونات هم وأكثر من 4 ملايين عراقي آخر بحاجة إلى المساعدات الإنسانية.

وبعد انقضاء سنوات مريرة في ظل جائحة كورونا وانهيار أسعار الوقود وما رافق ذلك من ضريبة كبيرة دفع المواطنون وحدهم ثمنها، تأمل الكثير خيرا عندما تصاعدت أسعار النفط مسجلة أرقاما أعلى بكثير من الفترات الماضية. وطرحت خلال ذلك الكثير من الأسئلة حول كيفية إدارة الحكومة لهذه الوفرة المالية المتحققة لديها من قفزات الأسعار. وتأتي الإجابة بين مطالبات بإعادة إطلاق المشاريع المتوقفة والملغاة المتعلقة بالبنى التحتية، ودعوة آخرين لتأسيس صندوق سيادي، بينما شدد غيرهم على ضرورة الالتفات إلى الوضع الإنساني للفقراء والنازحين في الداخل الذين يرتبط وضعهم بالسلم الأهلي.

ملف النزوح الداخلي

ويقول الناشط في مجال الإغاثة الإنسانية، حمزة عسكر، أن السلطات العراقية أكدت الانتهاء من ملف النزوح الداخلي وأوضحت أن هناك 37 ألف عائلة لم تعد بعد إلى ديارها، فيما حذر من استغلال الملف لأجندات سياسية.

وأوضح عسكر لـ”طريق الشعب”، أن “إغلاق جميع مخيمات النازحين أمر جيد ولكن أرقام الحكومة عن النازحين في الداخل محط تساؤلات وليست دقيقة. فما هو مصير سكان المدن التي تسيطر عليها جهات مسلحة وتمنع أهلها من العودة منذ سنوات؟”، مؤكدا أن “النازحين يعانون ويجب أن يعودوا إلى ديارهم والعمل على إنهاء المشاكل اللوجستية التي تعيق عودتهم لمدنهم كما توجد هناك أطراف تعتاش على أزمة النازحين سياسياً واقتصاديا والأمر المؤسف أن جميع واردات الدولة وبضمنها ارتفاع اسعار النفط مؤخرا لم يوجه منها شيء صوب انهاء هذا الالم المتواصل”.

وأوضح عسكر أن أزمة النزوح لن تنتهي في ظل وجود أرقام كبيرة لمواطنين غير عائدين الى مناطقهم بسبب المضايقات أو التلكؤ في اعمار مناطقهم. 

أكثر من مليون نازح

من جانبها، قدّرت منظمة الهجرة الدولية، وجود حوالى 1.2 مليون نازح في العراق حتى الآن.

وذكرت المنظمة في بيان طالعته “طريق الشعب”: ان “أكثر من ستة ملايين عراقي نزحوا من مناطقهم الأصلية خلال النزاع مع داعش. ومنذ الإعلان رسمياً عن انتهاء النزاع، عادت مئات الآلاف من الأسر إلى مناطقها الأصلية”. وأوضحت أن “التقديرات تشير إلى نحو 1.2 مليون شخص ما زالوا في حالة نزوح”، مؤكدة لزوم “تقديم الدعم المستمر لإنهاء النزوح الداخلي والتوصل إلى حلول دائمة، بما في ذلك العودة الطوعية إلى مناطق الأصل”.

وبالعودة إلى عسكر، فإن “منظمة الهجرة الدولية ذكرت في تقرير أن هناك 1.2 مليون عراقي نازح، لذلك من الضروري وضع ملف النازحين شرطاً لعمل أي حكومة جديدة”. وأضاف أن “النظام الذي يتقبّل وجود هذا العدد من العراقيين في وضع إنساني صعب، لا يمكنه ايجاد الحلول”. وتشهد مناطق كثيرة مشاكل في عودة مواطنيها مثل جرف الصخر ويثرب وعزيز بلد والعظيم والسعدية وسنجار والعويسات وذراع دجلة، ومناطق أخرى، تشكل المشكلات العشائرية والثأر ثم الدمار الذي حلّ بالمدن أسبابا رئيسية في استمرار أزمة نزوحهم. 

العدالة والمصالحة

وبهذا الشأن، حثّت معنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، العراق على مضاعفة جهوده لمساعدة وحماية النازحين داخلياً، ودعمهم في التوصل إلى حلول دائمة، مع رعاية خاصة لأكثر الفئات ضعفاً.

وفي تقرير قدمته سيسيليا خيمينيز-داماري، المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فأنه “تم الإبلاغ عن عمليات الإعادة السابقة لأوانها والقسرية وغير الطوعية لبعض النازحين داخليا، لا سيّما في سياق عمليات إغلاق المخيمات ودمجها. وأنا أدعو الحكومة إلى ضمان أن تكون عمليات العودة آمنة ومعلومة وطوعية وتتّسم بالكرامة.”

وأعربت المقررة الخاصة عن قلقها إزاء الاحتياجات الإنسانية لـ 1.4 مليون شخص “لا يزالون نازحين داخل العراق والتحديات التي تواجهها المنظمات الإنسانية في الوصول إليهم. ومع تفشّي كوفيد-19، زادت احتياجاتهم الإنسانية وواجهت المنظمات الإنسانية مشاكل إضافية في تقديم الخدمات”.

وقالت داماري: “يواجه النازحون داخلياً أيضاً العديد من العوائق التي تحول دون حصولهم على الوثائق المدنية أو تجديدها خارج مناطقهم الأصلية، والوثائق المدنية أساسية للتمتع بمجموعة واسعة من حقوق الإنسان.”

وتابعت بالقول “إن حل مشكلة النزوح الذي طال أمده في العراق يمثل تحدياً حقيقياً. وأنا أدعو إلى تعزيز الإجراءات لتعزيز التماسك الاجتماعي والمصالحة والعدالة وجبر الضرر في العراق، مع ضمان مشاركة الأشخاص النازحين داخلياً بأنفسهم دائماً”.