تنفذ القوات الأمنية باستمرار عمليات واسعة ضد تجار المخدرات، الذين يزداد عددهم رغم تلك الحملات، بحسب إحصاءات.

وعلى الرغم من الملاحقات الخطرة التي تجريها قوى الأمن، والتي تسفر أحيانا عن استشهاد منتسبين وضباط، والقبض على أعداد كبيرة من المتاجرين، إلا أن التجارة بهذه المواد أصبحت رائجة في ظل ارتفاع معدلات البطالة والفقر والأمية، بحسب آراء يبديها مراقبون.

عمليات نوعية متواصلة

وبات العراق ـ كما يقول المهتمون بانتشار هذه الظاهرة ـ بيئة مناسبة لاستهلاك المواد المخدرة، بعدما كان معبرا لها في العقود الماضية.

وتعلن السلطات الأمنية بشكل متواصل عن قيامها بتفكيك شبكات كبيرة لتجارة المخدرات واعتقال تجار ومروجين في مناطق متفرقة من البلاد، حيث يتم ذلك عبر عمليات خطرة وملاحقات نوعية تتواصل دون كلل.

وخلال الأيام الماضية، أعلنت خلية الإعلام الأمني عن تفكيك شبكة كبيرة لتعاطي وتجارة المخدرات في بغداد. وكذلك الأمر في النجف والناصرية وميسان ومحافظات عديدة.

ووفقا لوزارة الداخلية، فإن قوات الأمن تمكّنت خلال الأشهر الماضية من اعتقال عدد من التجار الذين اعترفوا بدورهم على تجار آخرين. وتمكّنت في فترة قصيرة من القبض على شبكات كانت توزّع المخدرات على نطاق واسع.

وفي تصريح سابق للوزارة، أعلنت عن أرقام كبيرة لعدد الأشخاص الذين ألقي القبض عليهم بتهمة ترويج وتجارة المخدرات في البلاد. ووفقا لتصريح صحافي لمدير عام دائرة مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، اللواء مازن كامل، فأن “عام 2021 شهد إلقاء القبض على 11 ألفاً و907 متّهمين بترويج المخدرات، من بينهم 156 امرأة”.

وبحسب كامل، فإنّ “من بين هؤلاء 328 حدثاً دون 18 عاماً، و6327 تتراوح أعمارهم ما بين 18 و30 عاماً، و3874 شخصاً تتراوح أعمارهم ما بين 31 و40 عاماً، و1035 آخرين ما بين 41 و50 عاماً”. لكن مدير اعلام الدائرة أكد في آخر احصائية أن العام 2021 شهد اعتقال أكثر من 13 الفا.

جهود عالية

من جانبه، يقول الباحث الاجتماعي نبيل صاحب، أن العراق تحول من معبر إلى مستهلك ومنتج للمخدرات، لكن الأخطر من هذا ما تقوم به عصابات كبيرة محمية من قبل جهات متنفذة، حوّلت المنافذ الحدودية إلى معابر سهلة لتجارتهم.

وفى هذا السياق، يقول مسؤولو الأمن والصحة انه مع تزايد تدفق الأدوية مثل الكابتاغون أو(الميثامفيتامين) ومخدر الكريستال- الذي انتشر بشكل واسع في الفترة الأخيرة - من الدول المجاورة، وصل الوضع لمستويات خطيرة، ولا يمكن للسلطات التعامل معه بسبب محدودية الموارد.

وقال العقيد زياد القيسي، المتحدث باسم إدارة مكافحة المخدرات بوزارة الداخلية، أن ظاهرة تنامي تعاطى المخدرات والاتجار بها صارت “مشكلة تحتاج إلى تعاون من جميع الأطراف - حتى من المجتمع الدولي”. وبالعودة إلى صاحب، فإن “القوات الأمنية تقوم بجهود كبيرة للقضاء على هذه التجارة والعصابات المتورطة فيها، وهناك عمليات نوعية تجري باستمرار. لكن تبقى العصابات المدعومة سياسياً من قبل بعض الأطراف تلعب دورا مهما، بالإضافة إلى عدم تمكّن السلطات حتى الآن من مسك الحدود مع إيران بشكل كامل، ما يسهل عمل هذه الجهات بالنسبة لهذه التجارة”.

تهديدات بالقتل

وفي تقرير لمعهد “دول الخليج العربي في واشنطن”، حول تنامي ظاهرة تعاطي المخدرات في العراق، أشار إلى تعرض ضباط وقضاة يتابعون قضايا المخدرات إلى تهديدات بالقتل، وفقدان بعضهم لأرواحهم.

ويلفت التقرير إلى أنه وبحسب المعطيات، فأن “الأوضاع الاقتصادية المتردية وفقدان الأمن تدفع نحو انعاش هذه التجارة المميتة. لم يصبح العراق هدفاً لتصدير المخدرات من بعض جيرانه فحسب، بل أصبح أيضاً نقطة انطلاق لتهريب المخدرات وأن الحكومة العراقية أضعف من أن تتصدى للتهديد الجديد للمجتمع العراقي”.

ومع تدهور الأوضاع الاجتماعية في العراق، ازداد إدمان المخدرات بين العراقيين. ودفع معدل البطالة المرتفع، وخاصة بين الشباب، العديد من العراقيين للبدء في استخدام “الكريستال ميث”، والذي وصفه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بأنه “العقار الرئيسي المثير للقلق” في العراق.

عجز حكومي

وتبدو الحكومة غير قادرة على معالجة مشكلة المخدرات المتنامية في البلاد بسبب الفساد وضعف النظام الأمني. وأن محاولات الحد من تهريب المخدرات وتوزيعها كانت محدودة في أحسن الأحوال.  ويكشف مصدر في جهاز مكافحة المخدرات في محافظة ميسان، عن جهود هائلة يتم القيام بها في المحافظة.

ويوضح المصدر الذي فضل عدم الكشف عن اسمه لـ”طريق الشعب”، أن “القوات الأمنية في محافظة ميسان، تشن مداهمات يومية، وتنجز نتائج مهمة جدا ولكن بعض القبائل التي يمارس الكثير من ابنائها هذه التجارة، يصطدمون بالقوات الأمنية ويهددون أهالي الضباط الذين يسعون للقضاء على المخدرات، فضلا عن هشاشة الأداء الحكومي بسبب تشابك الظاهرة مع نفوذ الجهات المسلحة وغيرها من الاطراف”. وأوضح المصدر أن “العملية تتطلب تضافر جميع الجهود ومؤسسات الدولة الصحية والتعليمية والقانونيةً لتطبيق الأطر التي تهدف للتعامل مع المشكلة. ومن ثم يجب أن تتبنى المؤسسات الحكومية استراتيجية شاملة تساهم في مشاركة أصحاب المصلحة والجهات الرئيسية الفاعلة لمعالجة هذه القضية. وينبغي أيضا على الإعلام العراقي الاهتمام بمعالجة الظاهرة ورفع الوعي العام لتكوين رأي عام لتشخيص أسباب الظاهرة والعمل على مواجهتها إعلاميا”.