تعاني مناطق واسعة من البلاد منذ أسابيع من أزمة كبيرة، إثر تقلص متواصل في ساعات تجهيز الكهرباء الحكومية، وإستغلال بعض أصحاب المولدات الأهلية لذلك، عبر التلاعب في أسعار الأمبير وفي عدد ساعات التجهيز، الأمر الذي تضاعفت معه معاناة مئات الآلاف من المواطنين، فتصاعدت صرخاتهم واشتد استياؤهم وغضبهم من فشل أجهزة الحكومة ونما بينهم قلق واضح من مصاعب الصيف، فحكومة تعجز عن توفير الكهرباء في موسم الشتاء، ستفشل بالتأكيد عن معالجة المشكلة في فصل الصيف، حين يصل إستهلاك الطاقة ذروته القصوى. 

وعلى الرغم من أن العجز في التجهيز الحكومي للكهرباء كان شاملاً لجميع فصول السنة، ومنذ فترة طويلة، إلا أن هذا العجز كاد أن يكون أقل وطأة في فصل الشتاء عنه في فصل الصيف نظرا لقلة الأحمال التشغيلية وبرودة الجو، قبل أن يصبح العجز قاسياً في كلا الفصلين خاصة حين أصبحت القوة الكهربائية العراقية رهينة الغاز الإيراني شيئا فشيئا، في الوقت الذي يحترق فيه الغاز العراقي في الفضاء دون أية فائدة.

إستغلال بشع 

وإذا كان ملف الكهرباء في العراق أحد أبرز علامات الفساد المنتشر في كل أرجاء البلاد، مذ هيمن نظام المحاصصة والتقاسم الطائفي للسلطة، وجرى سباق مخرب سواء في توزيع الوظائف أو في إبرام عقود الكهرباء أو في السيطرة على وزارة الكهرباء ودوائرها وتحويلها إلى مناطق نفوذ حزبية ومصادر إثراء غير مشروع، فإن من بين المستفيدين من هذا الفساد هم أصحاب المولدات الأهلية، الذين يستغلون الأزمة ويتلاعبون بالأسعار الرسمية أوبساعات التشغيل. وقد رصدت “طريق الشعب” إرتفاعاً في أسعار الأمبير ليصل إلى 25 ألف دينار في منطقة المنصور وإلى 20 ألف دينار في منطقة الغزالية، فيما يصل السعر الرسمي الذي حددته محافظة بغداد 8 آلاف دينار للأمبير الواحد للتشغيل الاعتيادي، و12-20 ألف دينار للتشغيل الدائم. كما لاحظ مراسلنا تلاعباً في عدد ساعات التجهيز وهي في النهاية عملية سرقة بشعة تصب في نفس المجرى.

ويشكو المواطنون في بغداد، والتي تنتشر فيها أكثر من 3000 مولدة أهلية ـ بإستثناء المناطق العشوائية ـ من خلل كبير في الحصول على الكهرباء، حيث يقول المواطن محمد الزهيري، والذي يسكن منطقة حي الميكانيك في العاصمة، إن أصحاب المولدات وخلال شح التجهيز الكهربائي الحكومي قد رفعوا أسعار الأمبير من 12 ألف دينار إلى 20 ألف دينار بلا أدنى رادع. وأوضح الزهيري لـ”طريق الشعب” “أن أصحاب المولدات الأهلية لم يراعوا الحالة الاقتصادية لأهالي المنطقة وهم من المتقاعدين والفقراء وذوي الدخل المحدود، الذين صار لزاماً عليهم دفع ما يقارب 100 ألف دينار في كل شهر للحصول على 5 أمبيرات كهربائية كحد أدنى”.

وقال المواطن صفاء اللامي من قضاء الحسينية، أن ساعات التشغيل الاعتيادي تبدأ وفقا للائحة مجلس المحافظة “من الساعة 2 ظهرا وإلى الساعة 1 صباحا”. وبيّن اللامي لـ “طريق الشعب”، أن أصحاب المولدات الأهلية “استغلوا الأزمة وباتوا يطفؤون التشغيل في الساعة الثالثة ظهرا، ومن ثم عند منصف الليل”، لافتا إلى أن ذلك “هو بمثابة سرقة علنية لساعتين كاملتين وأحيانا أكثر في ظل سكوت مطبق من قبل الجهات الرقابية ذات العلاقة”.

وفي نفس الصدد يؤكد المواطن أمير حاتم من منطقة الشعلة على أن أصحاب الكشوفات الذين يراقبون الأداء دائما ما يتقاضون رشى من أصحاب المولدات الأهلية، كي يغضوا الطرف عن مخالفاتهم، مبررين التلاعب في الإسعار بسبب إرتفاع أسعار الوقود، دون أن يدركوا بأن الإرتفاع في سعر الوقود لم يكن كبيراً، كما إن من غير المعقول أن يتحمل المواطن لوحده هذا الإرتفاع. ودعا السيد حاتم الجهات المعنية إلى “متابعة المخالفات ورصدها ومحاسبة مرتكبيها خصوصا وأن المواطنين لا يستطيعون تحمل أعباء مالية أضافية في ظل هذه المحنة الصحية والاقتصادية الكبيرة”.

تخطيط فاشل ورقابة غائبة

وفي الوقت الذي لا يرى فيه المهندس أحمد جبار، تقلبات وتوقفات الكهرباء الوطنية سبباً في رفع سعر التجهيز الأهلي، يدعو لأن تكون الزيادات الإضطرارية تصاعدية وتدريجية وغير مفاجئة. ويؤكد المهندس جبار لـ”طريق الشعب”، على أن هنالك شكوكا يطرحها المواطنون، وهي شكوك معقولة تشير إلى وجود “ تواطؤ بين أطراف في بعض الدوائر الكهربائية الحكومية وأصحاب المولدات الأهلية من أجل زيادة الأسعار واستفادة الطرفين منها، وهي بالتالي زيادة ظالمة على الفقراء. وعلى الحكومة التحقيق في هذه الشكوك بالأفعال لا بالأقوال”. ويضيف “في المرحلة الحالية لا يوجد حل أمام المواطنين سوى اللجوء إلى المولدات الأهلية بسبب فشل الحكومات المتعاقبة في توفير الطاقة الكهربائية، ولأن ملف الكهرباء أصبح مرضاً مزمناً، جراء التعقيدات السياسية والأمنية التي شهدها العراق مما أدى إلى زيادة تأزم المشكلة. لقد باتت الحلول مستحيلة نظرا لحجم الفساد في ملف الكهرباء والمبالغ التي أهدرت فيه”.

وحذر المهندس جبار من “التداعيات المستقبلية في الجانب البيئي، حيث أن المولدات الأهلية تخلف أضراراً بيئية مرعبة، وتنتشر بكثرة وبدون تخطيط، كما إن حديث الحكومة عن التوجه نحو الطاقة الشمسية أمر جيد من حيث المضمون لكنه لن يتحقق على المدى القريب، فيما نلاحظ كثرة الأمراض السرطانية وغيرها نتيجة تلوث الجو “.

الفساد أكبر الأسباب

وتعليقا على حجم الفساد المستشري في ملف الكهرباء، يتحدث الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد خضير عن مفارقة كبيرة حدثت ما بين أعوام 2006 و2014 فيقول لـ “طريق الشعب”، “أقدمت الحكومة آنذاك على بناء محطات لتوليد الكهرباء، تعمل بالغاز الذي يفتقر العراق إلى عملية انتاجه واستغلاله، والسبب يعود إلى أن الشركات المنفذة قدمت عمولات كبيرة. وتسببت هذه المحطات بخلل مزمن ما زال مستمرا بسبب الاعتماد على الغاز الإيراني لتشغيلها وهذا فساد لا مثيل له. فالعراق يدفع ملايين الدولارات سنويا لإيران وينتظر الاستثناءات الأمريكية للحصول على الغاز الإيراني، ومع ذلك فهو لم يفلح حتى الآن في حل المشكلة ولديه مشاكل مع الجانب الإيراني بهذا الخصوص”.

وبحسب تصريح سابق لعضو لجنة النفط والطاقة البرلمانية، أمجد العقابي، فإن استيراد الغاز الإيراني يكلف البلاد “نحو ملياري دولار سنويا لتشغيل محطات إنتاج الطاقة الكهربائية، وثمة سوء إدارة يكمن في مسألة استثمار الغاز في العراق رغم امتلاك العراق للغاز الطبيعي الذي تصل نقاوته إلى 97 في المائة في حقلي عكاز والمنصورية”.

ويرى المراقبون أن هذا الرقم الذي صرف على الكهرباء قادر على بناء بلد كامل وليس مجرد قطاع واحد فيه، حيث يعادل ما تم هدره حتى الأن، موازنات كل من الأردن ولبنان مجتمعتين لثلاثة أعوام، بينما وبحسب نائب سابق، يعادل الصرف عشرة أضعاف موازنة مملكة البحرين.

عرض مقالات: