في الادب، يكون الغموض الفكري أو اللغوي مقصودا بذاته أحيانا، وهو يكون مهربا من معالجة الازمات الى تسجيل موقف منها، موقف الخائف او الغاضب او المتعالي، هنا يكون الغموض فعالا ومؤثرا على المدى البعيد، إذ سيتمكن مؤرخو الادب ونقاده من تسجيل الغموض كظاهرة مرحلية يضعونها بالتوازي مع أزمات الواقع القائمة في نفس زمن كتابة النص للكشف عن المناخ السياسي العام للمرحلة التي كتب فيها النص، وقد يتحول الغموض الى استعارة أدبية أكبر، عبر التوجه الى كتابة نصوص تبدو إنها للاطفال أو نصوص عن المستقبل، وهذا يختلف عن أدب او فنون المستقبل في المجتمعات المنشغلة بالتكنولوجيا والبحث العلمي.

في أزماته الحرجة، كان صدام يفضل الهرب من الحديث عن ضرورات الحياة وهزائم الحرب الى الحديث عن المجد والخلود والدور الحضاري، هذه كلمات غامضة لا تعني شيئا في مقاييس الانتاج السياسي عند المواطن، وفي البلدان المنتجة للحضارة حقا لا تستخدم هذه الكلمات كثيرا، ولذلك يضطر صدام احيانا الى افتعال مناسبات او تشييد أبنية لا تعبر عن ضرورة آنية أو مستقبلية للبلاد، كل ذلك ليقول ان لديه منتج ما، صحيح انه ليس ما تحتاجه البلاد ولا ما يريده المواطنون لكنه يريد ان يثبت فعل شيء ما ولذلك لجأ في سنواته الاخيرة لكتابة الرواية، وربما حاول كتابة الشعر او القصة وفشل.

في السياسة الراهنة، يستخدم المسؤولون لغة غامضة وإلتفافية، لا علاقة لها بالاستعارات الادبية، بل هي حيل لفظية للهرب من الاستحقاقات اليومية والفشل في الاداء، اما بالاعتماد على مفردات يعتبرها المسؤول "تقنية وعلمية وفنية" لا يفهما المواطن العادي ولا الصحفي ولا المتابع السياسي، وبالتالي لا يحق لهؤلاء لومه او انتقاده او مطالبته بشيء، أو يقفز المسؤول الى تخيلات غير منطقية فقد سمعنا خلال السنوات الماضية أكثر من مسؤول يتعهد بجعل محافظة أو منطقة ما "تنافس دبي"، رغم ان الاهالي لم يطلبوا هذه المنافسة فهم يريدون شارعا مبلطا وساعات كهرباء أكثر، لكن المسؤول يصر على رفع سقف طموحه للهرب من تحقيق سقف طموح المواطن، أو يتحدث المسؤول عن "عودة العراق الى لعب دوره المحوري في المنطقة"، بينما الحكومات العراقية منذ عام 1970 وهي لا تفعل شيئا غير اثارة الازمات في المنطقة او الانشغال بالحروب أو العيش معزولة منبوذة، وللهرب من كل مسؤولية يستخدم السلطويون عبارتهم الغامضة القديمة "لانمتلك عصا موسى".

إن التحذلق اللغوي وتعمد الغموض وسقف الطموحات المستقبلية المرتفع الذي يمارسه كبار وصغار المسؤولين هو نوع من الاضطهاد للمواطنين يتسبب برفع ضغط الدم وأمراض القلب وتصلب الشرايين، بدرجة تفوق ما يسببه التدخين وعوادم مولدات الكهرباء التي تصر حكوماتنا الواحدة بعد الآخرى، ومنذ 19 عاما، على ضرورة أن يصدر العراق الطاقة الى العالم بينما يريد المواطن ساعتين او ثلاثة من الكهرباء المتواصلة يمكنه ان ينام خلاله، وبدلا من الدور المحوري في المنطقة يريد الحفاظ على مناسيب معقولة للمياه في الانهار التي تتجاوز عليها دول الجوار، وبدلا من ناطحات السحاب يريد طريقا لا يختنق بالسيارات.

عرض مقالات: