كان من السهل ان تخرق القوى المتنفذة التوقيتات الدستورية، وتبعد انتخاب رئيس الجمهورية الى آجل غير مسمى. فهي التي خرقت الدستور والقانون تكرارا، في مسعى لإدامة وجودها في السلطة. وهي عادة ما تفتعل حلولاً لفك الاختناقات التي تواجهها، وابسط مثال على ذلك جعلها الجلسة الأولى لمجلس النواب في 2010 مفتوحة، الى حين صدور قرار المحكمة الاتحادية آنذاك بعدم دستورية ذلك.

ويأتي خرق الدستور حالياً، الى جانب سعي البعض الى ادامة الازمة المستعصية، وعدم اعترافهم بوجود قوى واسعة شعبية واحتجاجية تسعى لتغيير منظومة الحكم التي اعتمدت المحاصصة كنهج وحيد للحكم.

وفي هذه المرة تشهد عملية التشكيل المؤجل للحكومة نشوء تحالفات برلمانية منقسمة طوليا، وجاء ذلك في اعقاب مطالبات واسعة بمغادرة الأساليب السابقة الفاشلة في تأليف الحكومات المتعاقبة.

فالقوى الطائفية والقومية المتنفذة لم تعد الان معزولة عن بعضها. وهذا بحد ذاته يُعد كسرا لطريقة التشكيل السابقة الفاشلة للحكومات، خصوصا اذا تجذر وتشكلت تلك التحالفات وفق أسس برنامجية، تتحمل قوى كل تحالف مسؤوليتها.

غير ان نهج الاقصاء والتهميش مازال قائما، فهو سياق تعتمده القوى الحاكمة الفاسدة عادة، ما يعني ان اية حكومة مقبلة ستبقى ذات طبيعة قلقة، بسبب عدم اسنادها الى القوى المتحاصصة سابقا نفسها، وهذا بحد ذاته يعتبر هدفا من اهداف الانتفاضة المجيدة.

ورافقت ذلك التفسيرات الملزمة للمحكمة الاتحادية، لتحديد قانونية النصاب الدستوري لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وهذا جزء من الفعاليات الأخرى التي عطلت هذه الجلسة، كون طرفي النزاع غير قادرين على تأمين العدد الكافي من الاصوات لتمرير مرشحهم للرئاسة.

امام هذا الحال تشتد أوضاع الناس صعوبة وتتعمق معاناتهم، فيما تدير القوى المتنفذة الظهر لمسؤوليتها تجاه جموع الفقراء والكادحين، بل وتقوم بتهميشهم وهم الذين اوصلوهم الى سدة الحكم، وبجانب هذا تبقى الحلول المطروحة من طرفي الصراع غير مقبولة لبعضهم، ما يعني بقاء الحال على حاله.

لقد طرحت القوى المدنية والديمقراطية ومعها خبراء في القانون الدستوري، حلولاً دستورية يمكن ان تفتح المجال امام عملية تشكيل الحكومة، ومنها ان تقصر المحكمة الاتحادية الزام حضور ثلثي النواب على الجلسة الأولى فقط لانتخاب رئيس الجمهورية، كذلك الدعوى القضائية المقدمة الى المحكمة الاتحادية باسم التيار الديمقراطي ضد رئيس مجلس النواب بالإضافة الى وظيفته، لأجل تحديد موعد سريع لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وان تتحمل القوى المتخلفة عن الحضور مسؤولية امام الشعب والناخبين.

ولكن يبقى الحل الاسلم، الذي بدأ الحديث عنه يطفو على السطح، يتمثل في إعادة الانتخابات النيابية، وهو الأقرب الى الواقع استناداً الى التجربة المريرة التي نمر بها حالياً وجرت تجربتها سابقاً. لكن طرحها دون الاستناد الى عدم عودة هذه القوى مجدداً لتكون مصدرا للقرار لا يعد حلاً بذاته، بل يجب ان ترافقه مجموعة من الإجراءات القانونية والبرلمانية وبضمنها إعادة تشريع قانون الانتخابات وتشكيل مفوضية مستقلة قولاً وفعلاً، مع حملة وطنية وجماهيرية واسعة تبشّع  المحاصصة وتدعو الى  عدم التجديد لقواها مع التعويل على وحدة عمل القوى المدنية والديمقراطية الداعية الى التغيير.

وبعكس ذلك، فان جمرة الانتفاضة تبقى متقدة ورايتها مرفوعة لتخليص بلدنا من طغمة الحكم الفاسدة.

عرض مقالات: