... جريدة الحزب العلنية، اتحاد الشعب، واصلت الصدور حتى الثلاثين من ايلول 1960، برغم ما كانت تتعرض له من تضييقات. فقد شرعت اجهزة الامن بتضييق الخناق على توزيعها وبيعها في بغداد والمناطق الاخرى، وسخرت لهذا الغرض زمراً من الشُقاة للتحرش بمكاتبها وبالعاملين فيها، وبأكشاك بيعها. وكان هؤلاء الشقاة يتحرشون بكل من يتردد على مكاتب تحريرها وبالعاملين في تحريرها، برغم الشكاوى التي كانوا يرفعونها الى الحاكم العسكري العام، الا ان اجهزة الامن كانت تغض النظر عما تفعله هذه الزمر.

وإذ أحس الحكم بأن جريدة الحزب واصلت صدورها برغم ذلك، عمد الى استخدام سلطاته العرفية، فعمد السيد حميد السيد حسين، قائد الفرقة الاولى في الديوانية الى منع دخول الصحيفة الى كل الالوية السبعة التي تمتد اليها سلطاته العرفية في جنوب البلاد، بذريعة ان الجريدة تحرض على مكافحة الامية وتشجع الحملة التي ينهض بها الحزب الشيوعي لمكافحة الامية بين الفلاحين، وخرج على الناس بمقولته سيئة الصيت “امي لص خير من مثقف هدام”، غير ان الحزب عمد الى تهريب الجريدة الى هذه الألوية السبعة برغم كل الموانع التي وضعها الحاكم العسكري لهذه الألوية. ولوحظ ان الطلب عليها تزايد كثيراً بعد المنع. كذلك سخّر عبد الكريم قاسم الصحف الرجعية والمأجورة للتطاول على الحزب الشيوعي وجريدته، وعلى رموز الحركة الوطنية وبلغة بذيئة(1). وكان يريد من هذه الحملة استفزاز “اتحاد الشعب” تمهيداً لغلقها استجابة لالحاح شركات النفط التي كانت تضيق ذرعاً بتعليقاتها حول المفاوضات التي كانت تجريها مع الحكومة.

لقد استطاعت القوى الوطنية ولا سيما الحزب الشيوعي الذي جنّد صحافته والصحف اليسارية الاخرى التي تسانده ان تؤثر في مجرى المفاوضات، وتفرض بحث موضوعات رئيسية أنذاك وفي مقدمتها تخلي الشركات عن الاراضي غير المستثمرة(2). وكانت الشركات تتحسس وطأة صحافة الحزب الشيوعي على المفاوضات. وقد بلغ بها الحال الى ان تطالب بصريح العبارة على لسان رئيس وفدها في المفاوضات، هريدج، بإسكات الجريدة. ولم يتردد عبد الكريم قاسم عن الاستجابة الى الطلب كوسيلة لإرشاء الشركات. فعمد الى تعطيلها لعشرة اشهر بذريعة واهية، وإلغاء امتيازها بعد ذلك. وعمد في الوقت ذاته الى طرد العشرات من خيرة العمال والفنيين التقدميين والمهندسين الوطنيين وجمّد آخرين يعملون في مصافي النفط وغيرها ارضاء لشركات النفط(3).

غير ان عبد الكريم قاسم وشركات النفط قد اخطأت الحساب، إذ تصوروا ان غلق “اتحاد الشعب” سيعطل من قدرة الحزب الشيوعي على إيصال صوته الى الجماهير. ففي اوائل تشرين الثاني من عام 1961، صدرت “طريق الشعب” سراً. وعادت الى الصدور صحيفة “صوت الشعب” لصاحبها محمد حسين ابو العيس، كجريدة يومية اعتباراً من 1 تشرين الثاني 1960، بعد ان كانت تصدر بشكل متقطع منذ آب 1949. وسمحت وزارة الارشاد التي كان يرأسها الوزير اليساري فيصل السامر بإصدار يومي لجريدتي “الحضارة” و “الثبات” الاسبوعيتين، اللتين كانتا تناصران الحزب الشيوعي، وكان للحزب الى جانب ذلك ثلاث صحف اخرى في الألوية لم تتعطل بعد. ولكن الحكومة لجأت في نهاية عام 1960 الى تعطيل كل الصحف الشيوعية، فلجأ الحزب الى الاستعانة بمجلة “14 تموز” الاسبوعية لصاحبتها المحامية نعيمة الوكيل، وأوعز الى المؤلف والى عدنان البراك ومجيد الراضي، ليعملوا فيها كمحررين برئاسة عبد الرحيم شريف حتى اغلقت هي الاخرى.

على عكس ما كانت تتمناه حكومة عبد الكريم قاسم ازداد اقبال الجماهير على صحافة الحزب الشيوعي حين تحولت الى صحافة سرية، وصار تداولها محظوراً. إذ صارت الجماهير تتلهف الى قراءتها حتى بات ما يوزع من العدد الواحد من “طريق الشعب” السرية وحدها يفوق ما يوزع من جميع الصحف القانونية في البلاد(4).    

هكذا كان ما يوزع من 13 جريدة يومية ما بين 32000 و 33 ألف نسخة، بينما وزعت “طريق الشعب” وحدها في آخر عدد لها من خريف 1962 خمسين ألف نسخة. وكان هذا يفوق حتى توزيعها العلني، إذ كان ما يوزع من “اتحاد الشعب” يوميا، في فترتها العلنية، ما بين 24 ألف و 36 الف نسخة وهذا أقصى ما كانت تستطيع مكائنها انتاجه. والى جانب “طريق الشعب” كانت صحيفة “وحدة العمال” و”حياة الفلاحين”، وهما جريدتان سريتان يصدرهما الحزب ايضاً، توزعان ما بين 15 الف و 20 الف نسخة مع ان هذه الارقام جميعها تسد نصف الطلب تقريباً(5). وكان الحزب يصدر ايضاً صحيفتي “صوت الفرات” و “ئازادي” سراً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شن صاحب جريدة “بغداد” خضر العباسي، حملة من هذا النوع على الحزب و”اتحاد الشعب”. كذلك شن هجوماً بذيئاً على الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري. وشنت “الفجر الجديد” جملة مماثلة على كامل الجادرجي (محمد عويد الدليمي، ص252).

(2) محمد سلمان حسن، دراسات في الاقتصاد العراقي، ص298.

(3) “طريق الشعب” العدد 1 ، اوائل تشرين الثاني 1961.

(4) محضر اجتماع سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في 10/ 12/ 1962 (ثمينة ناجي يوسف، ج2، ص459).

(5) المصدر السابق.

*عزيز سباهي - عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي – الجزء الثاني