يستمر مسلسل هدر المال العام والفساد والتخادم بين المتنفذين والفاسدين، الذي ربما لن يكون آخر حلقاته قرار محكمة استئناف الرصافة بدفع مصرف الرافدين 600 مليون دولار لصالح شركة بوابة عشتار للنظم والدفع الإلكتروني، كشرط جزائي على إلغاء عقد بين المصرف والشركة. 

تنازل الشركة

ورغم اسقاط القرار الصادر من المحكمة وابطال الغرامة بعد تنازل شركة “بوابة عشتار” للنظم، عن الدعوى، لا يزال الجدل مستمرا، والاتهامات تطال جهات عدة.

وأظهرت وثيقة رسمية تنازل شركة بوابة عشتار للنظم وخدمات الدفع الإلكتروني للأموال عن الدعوى المقامة ضد مصرف الرافدين.

وكانت وسائل إعلام محلية عدة تناقلت وثيقة للقضاء يلزم فيها مصرف الرافدين بدفع (600) مليون دولار لشركة بوابة عشتار للنظم وخدمات الدفع الإلكتروني للأموال، إثر إقدام المصرف على فسخ أحد العقود المبرمة مع الشركة.

بدوره، استدعى مجلس القضاء الأعلى، امس الاربعاء، مدير عام مصرف الرافدين السابق على خلفية صفقة الـ(600 مليون دولار).

وقال مصدر رفض الكشف عن هويته في تصريح صحفي طالعته “طريق الشعب”، إن “مجلس القضاء استدعى مدير عام مصرف الرافدين السابق حسين علي محيسن ومجلس ادارة الرافدين الذين وقعوا على العقد”.

وأضاف المصدر، ان “وزير المالية علي علاوي، لم يكن على دراية بتوقيع مدير عام المصرف على مشروع بوابة عشتار”.

وشركة بوابة عشتار مملوكة من قبل شخص يدعى علي غلام، إذ اصدر البنك المركزي وثيقة في العام 2013 تقضي بحجز امواله المنقولة وغير المنقولة هو و11 رجلا من رجال الاعمال، وذلك عقب تورطهم بالعديد من الجرائم الاقتصادية. 

فتح تحقيق

وقررت محكمة تحقيق الكرخ الثانية المختصة بقضايا هيئة النزاهة، امس الأربعاء، اتخاذ الإجراءات القانونية بخصوص عقود شركات الدفع الإلكتروني.

وذكر إعلام القضاء في بيان طالعته “طريق الشعب”، أن “محكمة تحقيق الكرخ الثانية المختصة بقضايا هيئة النزاهة قررت اتخاذ الإجراءات القانونية بخصوص عقود شركات الدفع الإلكتروني مع مصارف الرافدين والرشيد والمصرف الصناعي والمصرف العراقي للتجارة، بالتنسيق مع هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والبنك المركزي”.

“بوابة عشتار” تتهم مصارف حكومية

وتحاول شركة بوابة عشتار أن تدفع الاتهامات عن إدارتها، إذ اشارت الى وجود فساد بالمليارات وعمليات “سرقة واختلاس” في مصرفين حكوميين.

وقالت أيضا، ان ستة تريليونات دينار تواجه “مصيرا مجهولا” بحسب زعمها.

وذكرت الشركة في وثيقة طالعتها “طريق الشعب”، إن هناك “شهادة محرّرة بوجود خروق ماليّة في مصرف الرافدين من خلال مشغلها الحالي”.

وأضافت الشركة أن هناك “شهادة محرّرة بوجود 6 تريليونات قروض الكترونية لا أحد يعلم مصيرها”، لافتة إلى وجود عمليات “استبدال لبطاقات مصرف الرافدين ببطاقات مصرف الرشيد بشكل غير قانوني”.

وكشفت الشركة كذلك عن “دعوى قضائية تتضمن عجز مصرف الرافدين عن استيفاء قروض بتريليونات الدنانير، فضلاً عن وجود دعاوى أخرى على مصرفي الرشيد والرافدين، بسبب سرقة او اختلاس بطاقات الزبائن”.

أين دور الادعاء العام؟

وتتواصل المطالبات بفتح تحقيق في الموضوع. إذ يقول القانوني حسن مجيد لـ”طريق الشعب”: ان القضية ليست مدنية حتى يتم التنازل عنها وينتهي الامر، فقد أصبحت القضية جنائية، داعيا الى عدم قبول التنازل وإغلاق الدعوى، بل يجب فتح تحقيق شامل في ملابسات الموضوع.

وأشار مجيد إلى ضرورة ان يتحرك الادعاء العام كون الامر من صلب عمله، كما نص قانون الادعاء العام في المادة الثانية أولا على (حماية نظام الدولة وأمنها والحرص على المصالح العليا للشعب والحفاظ على اموال الدولة والقطاع العام)، مستدركا ان المتورطين في هذه الصفقة يحاولون إغلاق القضية من اجل استمرار مصالحهم وضمان الإفلات من العقاب بعد افتضاح الأمر.

وفي وقت سابق، أكدت هيئة النزاهة الاتحادية، في بيان طالعته “طريق الشعب”، أنها طلبت أخذ إفادة الممثل القانوني لمصرف الرافدين لتزويدها بالتحقيق الإداري، ولم ترد الإجابة.

وذكرت الهيئة في بيان، أنه تم ربط القضية الواردة إليها من أحد أعضاء مجلس النواب (لجنة النزاهة النيابية) مع إحدى القضايا التي سبق أن حقَّقت فيها لاشتراكهما في الموضوع الخاص بالمخالفات في العقد المبرم بين المصرف والشركة.

وأوضحت أنها طلبت أخذ إفادة الممثل القانوني لمصرف الرافدين وتوصيات التحقيق الإداري المؤلف في وزارة الماليَّة ومحضر اللجنة الفنيَّة المنبثقة من توصيات التحقيق الإداريِّ.

ولفت البيان إلى أن الهيئة خاطبت مصرف الرافدين لتزويدها بالتحقيق الإداري وحضور ممثلهم القانوني، ولم ترد الإجابة.

النائب ماجد شنكالي علق على الملف، متسائلاً في تغريدة له: “لا أعرف لماذا المؤسسات العراقية تخسر قضاياها أمام الشركات التي تتعاقد معها؟ هل هناك تقصير لدى الدوائر القانونية، أم أن الموضوع فيه شبهات وأمور أخرى؟”. 

تخادم للمصالح

وعدّ الخبير المالي محمد فرحان في حديث لـ”طريق الشعب”، ان توقيع العقود بشروط جزائية كبيرة مع جهات متنفذة هو “تخادم وتبادل للمصالح بين الفاسدين والمتنفذين لسرقة أموال البلاد”، مشيرا الى ان “مالك الشركة هو ذاته مالك مصارف الشرق الأوسط والقابض والأنصاري المتحكمة بمزاد بيع العملة”.

واكد فرحان على ضرورة عدم إمرار الامر من دون محاسبة المتسببين في هذا الفساد الواضح، داعيا “القضاء العراقي الى التحقيق مع المصرف والشركة في ذات الوقت”، مشددا على ضرورة تدخل المدعي العام بالاطلاع والطعن لان الامر متعلق باموال الدولة.

وبيّن الخبير ان “الفاسدين يتلاعبون في المال العام وليس هناك من يضع حدا لهم”، مشيرا الى ان “الكثير من المال العام بدد في الطريقة ذاتها، لكن هذه المرة ساهم السخط الشعبي في اثارة الموضوع”.

وخلص الى ان “التنازل عن قيمة الشرط الجزائي يجب ان لا يغلق القضية، وعلى الجهات المعنية محاسبة المقصرين ومعرفة المتواطئين من اجل ضمان عدم تكرار الامر”.