بعد انهيار أسعار النفط وتأثيرها الكبير على الاقتصاد العراقي، جاء انتعاشها مجددا منقذا للحرج المتعاظم في ظل الاقتصاد الريعي وغياب الموازنة التي راحت ضحية الصراعات السياسية. وتساءل مختصون في الاقتصاد عن خطط الحكومة والجهات ذات العلاقة بالتعامل مع هذه القفزة في الأسعار وتوظيفها لصالح البلد بطريقة تضمن عدم عودة الانهيار الاقتصادي، فيما أكدوا أن الصراعات السياسية باتت تقود مثل هكذا أمور مهمة. ومن المتوقع عدم الاستفادة من هذه الزيادة المالية في قيمة النفط الخام.

هل ستستثمر العائدات؟

يقول الباحث الاقتصادي والاكاديمي عماد تويج، إن ارتفاع أسعار النفط بدأ منذ شهور ولكن لم نلمس أي توجه حقيقي للاستفادة منه في تعزيز القطاعات الإنتاجية أو تفعيل المشاريع المعطلة لتجنيب العراق أن يكون رهينة أسعار النفط المضطربة مستقبلا.

ويوضح تويج لـ”طريق الشعب”، أن “الواردات المالية للنفط سواء قلت أم زادت فهي تنفق على القضايا التشغيلية والاستثمارية دون تخطيط. يجب أن تقوم الحكومة بتوظيف الأسعار المتزايدة في مجالها المطلوب، وهناك توقعات أن تصل إيرادات النفط لهذا العام إلى أكثر من 120 مليار دولار”.

وبلغت إيرادات صادرات النفط العراقي، خلال شهر حزيران الماضي، 11.505 مليار دولار، بحسب الأرقام التي أعلنتها وزارة النفط. وبحسب أحد بياناتها، فإن “إجمالي كمية الصادرات من النفط الخام للشهر ذاته بلغت أكثر من 101 مليون برميل”.

وتابع تويج قائلا ان “أصحاب القرار الاقتصادي مطالبون بإدامة وتوظيف أسعار النفط وتطوير القطاعات الاقتصادية والمنشآت الصناعية والزراعية، واستحداث مشاريع يمكن أن تكون رافدا أساسيا لتحويل الاقتصاد الوطني من ريعي إلى متنوع”.

وجدد البنك المركزي تطميناته للمواطنين بان استمرار ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية يسهم بزيادة الاحتياطي النقدي من العملـة الصعبـة، مؤكدا ارتفاع احتياطي العراق من الذهب.

وذكـر نائب محافظ البنك المركزي عمار خلف في تصريح صحافي، أن “زيادة الاحتياطي النقدي ترتبط بارتفاع اسعار النفط في السوق العالمية وتنعكس على احتياطات البنك المركزي والتي نتوقع ان تصل الى 90 مليار دولار في نهاية العام الحالي”، موضحا أن “الاحتياطي النقدي حاليا لدى البنك المركزي وصل الى اكثر من 70 مليار دولار “.

بلا موازنة لترجمة العائدات

ورغم الزيادة في أسعار النفط لكن البلاد بقيت بدون موازنة بعد مرور ثلثي العام الحالي. وحذر خبراء في الاقتصاد من استمرار الوضع الحالي كما هو عليه وعدم معالجة الآثار الكبيرة المترتبة على ذلك. وفي حال تم تمرير مشروع قانون الموازنة الذي يبدو أنه ما زال امرا صعب التحقيق، فالعراق بحاجة إلى أشهر لتجاوز تبعات هذا التأخير، بينما لم يتبق سوى اربعة شهور على نهاية العام.

ويرى الاكاديمي بهاء علوان، أن “الاستمرار بلا موازنة يساهم بشكل مباشر في عمليات هدر المال العام وتبديد الزيادة في أسعار النفط. كما يتسبب ذلك بعدم تعظيم الموارد المالية، وبلوغ أقصى الإيرادات”، مردفا أن “الأمر يؤثر كثيرا على المصروفات التي يتم تدوينها على أساس الإيرادات، ولأن الخلل في الأخيرة كبير، فذلك سينعكس حتما على المصروفات وستختزل المشاريع الحكومية التي لها علاقة بأولويات المواطن واحتياجاته”، لافتا إلى أن “العالم يشهد أزمة اقتصادية بسبب الحرب الأوكرانية الروسية، ستنعكس على العراق، وهذه الأزمة تحتاج إلى برامج عمل وخطط وتخصيصات ليس من حق حكومة تصريف الأعمال بحثها ولا صرفها، إلا إذا أتاح لها البرلمان المعطل ذلك. ولهذا فأن كل شيء مرهون بإرادة القوى السياسية وهي غائبة وهذا هو الأمر المؤسف، فلا فائدة من زيادة اسعار النفط في ظل هكذا نموذج سيء من الاداء الاقتصادي”.

رؤية غير واضحة

من جانبه، أكد الباحث الاقتصادي احمد خضير، أن اصحاب القرار لا يملكون رؤية واضحة في ما يخص الاقتصاد العراقي.

ويقول خضير لـ”طريق الشعب”، أن الحاجة ماسة الان الى “ايجاد دراسات شاملة للوضع الاقتصادي ووفق هذا النهج من الدراسة والتشخيص والعمل ستكون هناك نتائج ايجابية بدل العشوائية والاعتماد على الاقتصاد الريعي”، مضيفا أن “الزيادة بأسعار النفط رفعت بعض الحرج عن الاقتصاد الريعي الفاشل ولكن الأمر مؤقت. أن الارتفاع الحاصل اليوم مكّن البلد من استعادة نشاطه النقدي ورفع معدلات الاحتياطي وسداد مبالغ كبيرة من الديون المترتبة بذمته داخلياً وخارجياً لكن يجب الاستفادة بشكل أكبر من الزيادة، ودعم الجانب الاستثماري والانتاجي من خلالها، لأن الدولة ما زالت تصرف موازنتها للجانب التشغيلي ونفقات ورواتب”.