لا يزال وضع المرأة بشكل خاص يواجه تحديات عديدة كبيرة في البلاد، لا سيما في ما يتعلق بدورها في سوق العمل، في بلد يشهد عدم استقرار سياسي وأمني واقتصادي. وتتصارع طبقته السياسية على التحاصص وتوزيع المناصب، وتسببت في توقف عجلة البلاد الاقتصادية والإنتاجية.

قصة من هذا الواقع

وفي معامل طابوق النهروان سنجد تجسيداً حياً لما تقاسيه المرأة العاملة، حيث يتم استغلال الحاجة المادية لها، في اعمال شاقة وخطرة في بعض الأحيان.

وكانت «طريق الشعب»، سلطت الضوء على هذا الموضوع في تقرير استقصائي سابق؛ فالنساء هناك يعملن في بيئة ينعدم فيها تطبيق قانون العمل، ولا يتم الالتزام به من ناحية ساعات العمل والأجور. الجو ملوث بنسبة كبيرة وذلك بسبب افران حرق الطابوق المنتشرة في هذه المدينة، والتي بسببها يعاني العاملون هنالك من أمراض جلدية ومسرطنة، وامراض الجهاز التنفسي.

وفي ذات الوقت لا تتوفر رعاية طبية لازمة لهن ولأطفالهن وازواجهن. وعند النظر سريعاً في اسباب لجوئهن الى هذه الاعمال الشاقة، سنلاحظ انه في سوق العمل لا توجد ضمانات معيشية لهن، وفي ذات الوقت يتعرضن للتحرش والابتزاز في العمل، وايضا عدم انفاذ قانوني العمل والضمان الاجتماعي، ومن قبل ذلك هناك صعوبة في الحصول على وظيفة.

مؤشر خطير

وحددت منظمة العمل الدولية، الجمعة الماضية، نسب مشاركة المرأة في سوق العمل العراقي، وفيما أبدت قلقها من مؤشر وصفته «الخطير»، دعت إلى فهم أسباب عزوف النساء عن دخول هذا السوق.

 وقالت ممثلة المنظمة في العراق، مها قطاع، في تصريح صحفي، ان «أهم التوصيات التي خرجت بها المنظمة، والتي جاءت بناء على نتائج المسح لسوق العمل في العراق، هي إيجاد يوم للسياسات العملية لتشجع المرأة على الدخول إلى سوق العمل في العراق».

وأضافت قطاع أن «هناك 13 مليون امرأة في سن العمل منهن مليون امرأة فقط من يمارسن العمل، و70 في المائة منهن يعلمن في القطاع الحكومي. بينما عدد النساء العاملات في القطاع الخاص لا يتجاوز 300 ألف امرأة، وهو مؤشر خطير يجب على الجميع الانتباه إليه ومحاولة فهم أسباب عزوف المرأة عن دخول سوق العمل».

غياب الضمانات

وتعليقا على ذلك، أوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، ان «نسبة النساء الموجودات في سوق العمل بالعراق، لا تبتعد كثيرا عن نسبتها في دول الشرق الأوسط التي تقدر بـ 20 ونصف في المائة، وبالنتيجة نتحدث عن 12 في المائة في سوق العمل بالعراق. واظهر المسح ان نسبة البطالة (28 في المائة) بين النساء، تعدل ضعف نسبتها عند الرجال (14  في المائة).

 وأضاف الهنداوي في حديث خص به «طريق الشعب»، ان «منظمة العمل الدولية تتحدث عن نتائج مسح نفذه الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط، وهذا المسح اظهر ان النسب متقاربة بين النساء والرجال كعدد سكاني، حيث بلغت عند النساء 49,7 في المائة، والرجال 50,3 في المائة».

ويرجع المتحدث الرسمي أسباب عزوف النساء الى «غياب الضمانات. وتكمن المعالجات في امرين؛ يتعلق الأول بتنمية وتطوير القطاع الخاص، بحيث يكون قادرا على توفير فرص عمل مضمونة أفضل للنساء، وهذا ما يتم العمل عليه من خلال قانون العمل والضمان الاجتماعي. والثاني دور المرأة في ما يتعلق برسم السياسات او تنفيذ هذه السياسات».

وتحدث الهنداوي عن «استراتيجية تنظيم الاسرة التي أطلقتها الحكومة العام الماضي (2021) لمدة خمس سنوات، وستدعم دور المرأة من خلال تنظيم الاسرة وتقليل عدد الولادات، وفي وزارة التخطيط قريبا سنطلق الوثيقة الوطنية للسياسات السكانية المحدثة، التي تتناول واقع المرأة وتتحدث عن السياسات التي يمكن ان تفعل دور المرأة في التنمية».

لا ضمانات تشريعية للمرأة!

من جهته، عزا أمين الاتحاد العام لنقابات عمال العراق عدنان الصفار، انخفاض عدد القوى العاملة النسائية الى عدة أسباب أهمها: سوء السياسات الاقتصادية والاجتماعية في بناء ودعم البنية التحتية للمؤسسات الصناعية سواء في القطاع العام ام الخاص ام المختلط، وعدم دعم الدولة، من اجل ان ينجح القطاعان الخاص والمختلط، في استيعاب القوى العاملة العراقية.

وقال لـ»طريق الشعب»، ان وضعية المرأة العاملة «أكثر ضررا لأنه في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية، يفضل أصحاب العمل التعامل مع الرجل في التشغيل، وتضطر المرأة للعمل في اماكن لا تلتزم بقانون العمل، لأنه لم تتهيأ لها فرص متساوية مع الرجل لا بالعمل ولا بالأجور».

وأكد الصفار في حديثه، ان «وسائل التشجيع والدعم غير متوفرة للقطاع الخاص، عكس ما يعلن عبر وسائل مختلفة»، موضحا ا «عمل النساء يمر بظروف صعبة جدا، بحسب وصف منظمة العمل الدولية».

وعن تردي الواقع التشغيلي بيّن انها «مرتبطة بالوضع العام المتردي في كل مجالاته، وسبق ان نبهنا عبر وسائل مختلفة وطالبنا بإنفاذ قانون العمل بشكل صحيح، وتشريع قانون ضمان اجتماعي جيد، وذلك لتشجيع القوى العاملة على ان تنزل الى سوق العمل بالخصوص النساء، وذلك لتطمينهم بوجود ضمانات حقيقية لهم».

وأكمل المتحدث انه «من دون وجود ضمانات تشريعية للمرأة، فانها ستبقى بعيدة عن سوق العمل، وهذه سياسة خاطئة تبعدها عدديا واجتماعيا عن هذه الفضاءات».

وأشار الى «حاجتنا لخطوات اقتصادية فعالة وتشريعات وطنية وانفاذ للقوانين مثل قانون حماية الصناعة الوطنية، وقانون حماية المستهلك وغيرهما».

الصناعة الوطنية هي الحل

وعن المعالجات يجد الصفار انها ترتبط بدعم «الصناعة الوطنية بكافة قطاعاتها، وتشغيلها وتقديم الدعم والمساندة لتشغيل القطاعات الصناعية العراقية، وإيقاف الاستيراد العشوائي المفتوح على حساب الصناعة الوطنية»، مضيفاً ان هذه السياسة «ستوفر فرص عمل على مستوى القطاعات العام والخاص والمختلط، للمراة بشكل خاص».

وعن امكانية عكس هذه المعالجات على ارض الواقع وترجمة الاقوال الى أفعال، قال ان «القوى السياسية المهيمنة على السلطة، لا يمكن ان تؤدي دورها الحقيقي، وبدون عملية التغيير الشامل والحقيقي، لا يمكن بناء اقتصاد وطني حقيقي سليم. وبالتالي فإن عملية التغيير أصبحت ضرورية للمنظومة التي أوصلت البلد الى هذا الحال».