على الرغم من اهمية الحدود و المنافذ الحدودية وتأثيرها المباشر على الوضع الامني والاقتصادي، لم يحظ هذا الملف بالاهتمام الكافي من قبل حكومات ما بعد 2003 العراقية المتعاقبة، الامر الذي ادى  الى انتشار الفساد الاداري والمالي بين الدوائر العاملة في المنافذ الحدودية، وتسبب  في هدر مال عام يقدر حجمه في اقل تقدير  بـ (8)  ترليونات  دينار سنويا. كما تسبب  عدم احكام السيطرة على الحدود و المنافذ الحدودية في حدوث مشاكل خطيرة جدا للمجتمع العراقي، اهمها انتشار تجارة وتعاطي المخدرات،  وتهريب الأسلحة، وتهريب الادوية ،ودخول الاغذية والبضائع غير المطابقة للمواصفات المعتمدة ، وعدم القدرة على تطبيق التعليمات والقوانين الهادفة الى حماية المنتج  العراقي، ومشاكل اخرى لا مجال لذكرها هنا.

ولغرض متابعة تأثير الاجراءات الحكومية في التصدي لهذا الملف الخطير، سنستخدم هنا مؤشرا رقميا قابلا للقياس، ويتمثل في  الايرادات المتحققة من فرض الرسوم الجمركية على البضائع والسلع المستوردة. وهذا المؤشر هو ما تستخدمه الادارة الجمركية وادارة المنافذ الحدودية لتبيان مدى نجاح الاجراءات التي اتخذتها الحكومة، بهدف احكام السيطرة على المنافذ الحدودية. ولعل من اهم الاسباب التي جعلت الادارة الجمركية تختار هذا المؤشر، هو ان الايرادات التي تحققها مراكز الجمارك في المنافذ الحدودية تعد من اهم واكبر ايرادات الدوائر العاملة في تلك المنافذ.

ويعكس الجدول (رقم 1) الايرادات الجمركية المتحققة منذ  العام 2011  حتى العام 2020 ، حيث اعتمدنا على التقارير الصادرة عن  الادارة الجمركية نهاية كل عام ، ونشير الى ان احد اهم الاجراءات التي قامت بها الحكومة لغرض زيادة الايرادات الجمركية، هو تشريع وتطبيق قانون التعرفة الجمركية رقم 22 لسنة 2010 ، الذي ادى الى زيادة الايرادات  الجمركية في عام 2011 من مستواها المنخفض جدا  قبل  ذلك، والذي لم يزد في عام 2005 على حوالي 100 مليار دينار.

يُظهر الجدول اعلاه انه برغم تطبيق قانون التعرفة الجمركية رقم  22 لسنة 2010، لا تزال الايرادات الجمركية المتحققة اقل بكثير من المتوقعة، والتي يفترض ان لا تقل عن 10 في المائة من قيمة الاستيرادات  المقدرة بما بين  50 و 60 ترليون دينار سنويا. ويعد اول ارتفاع ملحوظ للايرادات الجمركية هو الذي تحقق في عام 2017 ، حين بلغت الايرادات 1236 مليارا بزيادة نسبتها 91 في المائة عن مثيلتها المتحققة عام  2016 والبالغة 647 مليار دينار. 

وتزامن هذا الارتفاع في الايرادات الجمركية مع مباشرة هيأة المنافذ الحدودية مهامها الرسمية استنادا الى قانون هيأة المنافذ رقم 30 لسنة  2016. وكان سبب الزيادة يعود باعتقادنا الى ممارسة هيأة المنافذ الحدودية  مهامها المنصوص عليها في القانون، والمتمثلة في الاشراف والرقابة والسيطرة على الانشطة التي تمارسها الدوائر العاملة في المنافذ، استنادا الى المادة 10 من قانون هيأة المنافذ التي اعتبرت المطارات والموانيء منافذ حدودية لأغراض تنفيذ هذا القانون. وتم اعداد التعليمات رقم (1)  لسنة 2018 الخاصة بتنظيم العمل في المنافذ الجوية والمنافذ البحرية، ونشرت في جريدة الوقائع العراقية بعد المصادقة عليها من قبل مجلس الوزراء في شهر اذار 2018 . ونتيجة لدخول هذه التعليمات حيز التنفيذ توسع نشاط هيأة المنافذ الحدودية ليشمل كافة المنافذ البحرية والمنافذ الجوية، الامر الذي ادى الى زيادة  الايرادات الجمركية في عام 2018 حيث  بلغت 1692 مليارا، بزيادة  نسبتها حوالي 37 في المائة على ما تحقق عام  2017 .

لقد تمكنت هيأة المنافذ الحدودية رغم حداثة عهدها من تحقيق نجاحات في مجالات عديدة، وكان ينبغي ان تقدم لها الحكومة الدعم الكامل، لتحسين الاداء والحد من الفساد الاداري والمالي وتطوير البنى التحتية للمنافذ وتحقيق اهدافها المحددة في  القانون. وما فائدة استحداث تشكيل اداري جديد من دون توفير الحد الادنى من متطلبات نجاحه.  واود الاشارة هنا الى ان الحكومات السابقة لم  تقدم  لهيأة المنافذ الدعم الذي يمكنها من القيام بواجباتها كما حددها القانون رقم 30 لسنة 2016، وسنعرض في نهاية المقال اهم التحديات التي واجهتها وكانت تتطلب تدخل الحكومة لان مواجهتها لا تقع ضمن صلاحيات رئيس الهيأة.  .

وفي عام 2019 وعلى رغم الجهود التي بذلتها الهيأة والدوائر العاملة في المنافذ، فقد انخفضت الايرادات الجمركية بحوالي 37 في المائة عن العام 2018 ، وبلغت 1056 مليار دينار فقط. ونجم الانخفاض عن توسع الحكومة  في منح الاعفاءات الجمركية، خاصة تلك الممنوحة للملكة الاردنية الهاشمية، كذلك عن الاستغلال البشع للأعفاءات الممنوحة للمشاريع الاستثمارية ومشاريع التنمية الصناعية، والممنوحة الى بعض الجهات بموجب موافقات خاصة من قبل السيد رئيس مجلس الوزراء .  

اما في عام 2020 فقد حظيت هيأة المنافذ  باهتمام كبير من لدن حكومة السيد مصطفى الكاظمي، اذ تم تكليف قوات التدخل السريع وقوات مكافحة الارهاب بتأمين الحماية للمنافذ، وفرض هيبة الدولة وطرد العصابات التي كان لها نشاط ملحوظ على الطرق التي تربط المنافذ بمراكز المدن. وبعد نجاح هذه القوات في تنفيذ المهام المكلفة بها، اعلن السيد رئيس مجلس  الوزراء تمكن الحكومة من احكام السيطرة التامة على المنافذ الحدودية. وكان بديهيا ان يظهر اثر تلك الاجراءات على  الايرادات المتحققة في المنافذ  الحدودية، الا ان انحسار التجارة عالميا بسبب الازمة الناجمة عن انتشار فايروس كورونا وغلق الحدود مع بعض دول الجوار، ادى الى انخفاض الايرادات الجمركية التي  بلغت 1017 مليارا تقريبا. وكنا نتوقع ان يكون الانخفاض اكبر، الا ان القرار الذي اتخذته  الهيئة العامة للجمارك  في كانون الاول 2020 باعتبار الامانات التي مضت عليها 5 سنوات فاكثر ايرادا نهائيا للدولة،  اسفر عن ارتفاع ايرادات  الشهر المذكور حيث بلغت حوالي  237 مليار دينار، بزيادة فوق معدل الايرادات الشهرية بلغت حوالي 140 مليارا. وبرغم ان انخفاض الايرادات في 2020 يعد امرا طبيعيا نظرا للظروف  المشار اليها، فقد اكدت ادارة المنافذ اكثر من مرة ارتفاع الايرادات المتحققة في المنافذ  سنة 2020 ، خلافا لتصريح الهيأة العامة للجمارك بانخفاضها سنتذاك. ومن المؤكد ان ما صرحت به المنافذ غير صحيح لان الايرادات الجمركية تشكل 90 % من الايرادات التي تحققها الدوائر العاملة في المنافذ، فهو يتناقض مع ما صرحت به الهيأة العامة  للجمارك.

 ونعتقد ان تصريحات كهذه تعد خطيرة، لانها تعطي انطباعا  لمتخذ القرار بان الاجراءات التي اتخذتها الحكومة كافية للحد من الفساد الاداري والمالي في المنافذ الحدودية. فيما نحن  واثقون من انها لم تكن كافية، لان اغلب حالات الفساد في المنافذ لا تمرر باستخدام القوة  كما يعتقد بعض من لا يعرفون جيدا طبيعة عمل المنافذ الحدودية، وانما من خلال الاتفاق بين بعض الفاسدين من الضباط والمنتسبين وموظفي الدوائر العاملة في  المنافذ مع القائمين بمهمة التخليص الجمركي. ولأن القوات التي كلفت بحماية المنافذ هي قوات قتالية غير متخصصة في العمل الجمركي، ولا تمتلك الخبرات والمهارات التي تمكنها من كشف التلاعب في المعاملات الجمركية، والذي غالبا ما تكون طبيعته تغييرا في وصف البضاعة كما او نوعا او  بالاثنين معا،  بهدف التهرّب من دفع الرسوم الجمركية والضريبية، فان التأثير المتوقع لم يظهرفي زيادة الايرادات الجمركية  او تغيير نسب الفساد الاداري والمالي.

ايرادات النصف الاول من عام 2021 

صرحت الهيأة العامة للجمارك ان الايرادات الجمركية المتحققة في النصف الاول من عام  2021 بلغت حوالي 526 مليار، محققة بذلك زيادة نسبتها 30 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام 2020، والتي بلغت 387 مليار دينار. وقد اكدت هيأة المنافذ الحدودية ايضا هذه الزيادة. وعزت كل من الهيأة العامة للجمارك وهيأة المنافذ الحدودية هذه الزيادة الى احكام السيطرة على المنافذ، متناسيتين انهما اغفلتا امرين في غاية الاهمية :

الاول - ان ارتفاع سعر صرف الدولار من 1190 الى  1450 دينارا  تسبب  في زيادة الكم الرقمي للايرادات الجمركية  المتحققة في النصف الاول من  عام 2021 ، حيث تحتسب  قيمة الرسم الجمركي بالدولار ثم تضرب قيمة الرسم الجمركي في سعر صرف الدولار المعتمد من قبل الادارة الجمركية والبالغ 1460 دينار. 

ثانيا -   ان  مقارنة الايرادات المتحققة في النصف الاول من عام 2021 مع ايرادات النصف الاول من عام 2020 تعطي نتائج مضللة، لان عام 2020   كان عاما استثنائيا بسبب انتشار جائحة كورونا وما ادت اليه من  أزمة اقتصادية عالمية، فكان الاولى بالادارة الجمركية ان تقارن ايرادات النصف الاول من عام 2021 مع ايرادات النصف الاول من  عام 2019 او عام 2018.

يبين لنا الجدول  (رقم 2). (بالدولار) الايرادات المتحققة  في النصف الاول للسنوات من 2016 حتى2021: 

نستطيع التعرف على الزيادة الحقيقية في ايرادات النصف الاول من عام 2021 حين نقارنها بايرادات النصف الاول من عام 2019، ويتضح من الجدول اعلاه ان ايرادات النصف الاول من عام 2021  انخفضت بمقدار 114 مليون دولار عن ايرادات النصف الاول من عام 2019 ، اي  بنسبة 24 في المائة، وانخفضت بـ 283 مليون دولار مقارنة بما تحقق من ايرادات جمركية في عام 2018 أي بنسبة 44 في المائة.

وفي ضوء ما تقدم ادعو الحكومة الى مراجعة ما يصدر من تصريحات عن هيأة المنافذ الحدودية والهيأة العامة للجمارك والتأكد من مدى دقتها، مؤكدا صحة الارقام التي عرضتها في هذه المقالة.  كما اكرر دعوتي  للحكومة الى العمل على تنفيذ المقترحات التي وردت ضمن مقالي “ المنافذ الحدودية / التحديات وفرص التطوير” المنشور في جريدة “طريق الشعب” بتاريخ 19/7/2021 ، والتي عُرضت ايضا  في ورشة العمل التي نظمها مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية، كما قُدمت في الورقة الاصلاحية للمعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي. ونشير الى اننا سبق ان اقترحنا هذه الحلول على الحكومات السابقة، لان اعتمادها كان يتطلب تدخلا حكوميا مباشرا، لكننا وللأسف لم نجد في حينه الاستجابة المطلوبة. 

ونذكر في ما يلي اهم هذه المقترحات: 

اولا : اصلاح الهيكل الوظيفي لهيأة المنافذ الحدودية، فغالبية الموارد البشرية الموجودة  حاليا هي من كادر الشرطة، والعمل على نقل موظفي مكاتب المفتشين العمومين المنحلة نظرا لتشابه طبيعة عملهم مع طبيعة عمل موظفي المنافذ المتمثل في الرقابة والتدقيق، كذلك المباشرة باستبدال الموظفين والضباط والمنتسبين  في  هيأة المنافذ، خاصة اولئك من تتوفربشأنهم مؤشرات سلبية، استبدالهم بموظفي مكاتب المفتشيين العمومين على ان يتم اختيار النزيه والكفوء منهم، فلا فائدة ترجى من سياسة تدوير الفاسدين.

ثانيا : احلال الموظفين  المدنيين في هيأة المنافذ محل الكادر العسكري وبشكل تدريجي، واسناد مهمة حماية المنفذ الى الكادر العسكري الموجود في المنافذ، واسناد مهام الرقابة والتدقيق الى الموظفين المدنيين.

ثالثا : اصلاح الهيكل الوظيفي للهيأة العامة  للجمارك، فهناك عدد غير قليل منهم يحملون عنوان حرفي ويكلفون بمهام التخمين والتدقيق التي لا تتناسب مع مؤهلاتهم ، مع العمل على  نقل موظفي مكاتب المفتشين العموميين المنحلة ممن يمتلكون الخبرات في الجانب المالي والمحاسبي وتتوفر بخصوصهم مؤشرات جيدة، والمباشرة بأستبدال موظفي المراكز الجمركية لاسيما الذين توجد عنهم مؤشرات سلبية.

رابعا : ادراج فقرة في الموازنة العامة بتخصيص نسبة  من الايرادات المتحققة لا تقل عن 20 في المائة منها لموازنة هيأة المنافذ الحدودية، وتكون الهيأة هي المسؤولة عن انفاق هذا المبلغ لتطوير البنى التحتية للمنافذ، لان هذا احد اهداف الهيأة وفقا للمادة (2/ ثالثا) من قانونها الرقم 30 لسنة 2016 ، ومن شديد الخطأ اسناد مهمة تحقيق هذه الاهداف الى المحافظات .

خامسا :اختيار قيادات ادارية مدنية من ذوي الخبرة والاختصاص والمعروفين بالنزاهة والكفاءة، لتولى ادارة المنافذ الحدودية.

سادسا : شمول كافة العاملين في الدوائر العاملة في المنافذ الحدودية  بقانون هيأة النزاهة والكسب غير المشروع، والزام من تتوفر بخصوصهم مؤشرات سلبية ببيان مصادر اموالهم واحالة من لا يتمكنون من تبرير مصادر اموالهم  الى القضاء لينالوا جزاءهم العادل. 

سابعا : اعتماد الاستثمار في تطوير البنى التحتية للمنافذ واستكمال ما بدأت به هيأة المنافذ في عام 2018 حين قامت باعلان معظم المنافذ للاستثمار تنفيذا لتوجيه السيد رئيس الوزراء الاسبق ووفقا لقرارات مجلس الوزراء، التي شجعت الاستثمار في المنافذ. كذلك قرارات مجلس هيأة المنافذ التي  اتخذها في عام  2018  والتي اكدت اعتماد الاستثمار لتطوير البنى التحتية للمنافذ، من دون المساس بالرسوم السيادية (الجمارك والضرائب).

ثامنا: أتمتة الاجراءات الجمركية والاستفادة من التجربة المعتمدة في الاقليم، حيث استُخدم النظام المؤتمت في انجاز المعاملات الجمركية منذ سنوات، ومساءلة وزارة المالية والادارات الجمركية السابقة  عن اسباب التأخر في استخدم الاتمتة في انجاز المعاملات الجمركية، على الرغم من توفر النظام المؤتمت في الاقليم.

تاسعا: ىتقليص الاعفاءات الجمركية الممنوحة لبعض دول الجوار، وتخفيض الاعفاءات الممنوحة بموافقات خاصة.

غلق المعابر غير الرسمية، خاصة تلك الموجودة في الاقليم وفي محافظة  نينوى. عاشرا :

   احد عشر: إلزام  الاقليم بتطبيق قرار مجلس الوزراء رقم 13 لسنة 2019 الذي تم بموجبه توحيد التعرفة والاجراءات الجمركية. وفي حالة عدم الالتزام تتم اعادة  العمل بمراكز التدقيق الجمركية التي الغيت بموجب المادة سادسا من قرار مجلس الوزراء رقم 13 لسنة 2019. 

اثنا عشر: اكمال تعليمات تسهيل تنفيذ قانون هيأة المنافذ وفقا للمادة 16 من قانون الهيأة، على ان تتضمن دليلا لتبسيط الاجراءات يكون ملزم التنفيذ من قبل كافة الدوائر العاملة في المنفذ الحدودي. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مستشار المعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي