يقاسي العراقيون أزمة كبيرة في السكن, حيث تقدر المصادر الرسمية حاجة البلاد الى حوالي 3 ملايين وحدة سكنية لسد الحاجة الفعلية للمواطنين. وبرغم انشاء مشاريع سكنية ومبادرات قروض المصارف الحكومية والاهلية وصندوق الاسكان، لغرض شراء وانشاء الوحدات السكنية, لكن معنيين يرون أن الأزمة تتفاقم بسبب ارتفاع مواد البناء وغلاء الاسعار في المجمعات الاستثمارية, وشروط الاقتراض المعقدة.

خطط حكومية

وخلال توزيع سندات الدور السكنية واطئة الكلفة على مستحقيها من الاسر الفقيرة في قضاءي الحبّانية وعامرية الصمود في محافظة الانبار, اكد وزير التخطيط خالد بتال, ان وزارته “وضعت خطة لتنفيذ عدد من المجمعات السكنية واطئة الكلفة للاسر الفقيرة، ضمن مشاريع استراتيجية التخفيف من الفقر”، مبينا ان “توزيع هذه الدور السكنية على الاسر الفقيرة وذوي الشهداء، يأتي استكمالا للخطوات السابقة للوزارة: سياسة محاربة الفقر متعدد الابعاد”.

وبيّن بتال ان “الوزارة سبق وان وزعت مجمعات سكنية مماثلة للأسر الفقيرة، في محافظتي الديوانية وواسط، وهناك مجمعات سكنية اخرى سيتم توزيعها قريبا، في عدد من المحافظات، بعد ان اكتمل بناؤها، ضمن مشاريع استراتيجية التخفيف من الفقر”، لافتا الى ان الوزارة “اولت قطاع السكن اهمية استثنائية ضمن خططها التنموية، ومن المؤمل ان يشهد العراق تحسنا واضحا في هذه القطاع خلال السنوات القليلة المقبلة، بعد ان عملت الحكومة على توفير البيئة الاستثمارية المناسبة لاستقطاب الاستثمارات في هذا المجال”.

وفي السياق، ذكر بيان لصندوق الاسكان، انه تلقى اكثر من 10.000 معاملة اقراضية موزعة على المحافظات.

واضاف البيان الذي طالعته “طريق الشعب” ان الصندوق صرف 260 مليار دينار خلال الاشهر الخمسة الاولى من عام 2021.

مشاريع محدودة

من جانبه, قال رئيس لجنة الخدمات والإعمار البرلمانية وليد السهلاني، في حديث صحفي تابعته “طريق الشعب”، إن “مشاريع المجمعات السكنية تعد خطوة ايجابية لحل ازمة السكن”، مبيناً أن “مشكلة السكن مضى عليها عقدان من الزمن. وبرغم وجود مشاريع لبناء المجمعات السكنية، الا انها محدودة جدا”.

واضاف ان “قطاع الاستثمار لم يراعِ المشكلة الحقيقية للسكن في السابق، وسمح بمنح فرص استثمارية في اماكن استراتيجية في بغداد وبمبالغ عالية”، مشيراً الى أن “هناك دلالات كبيرة على وجود ملفات فساد كبيرة في هذا القطاع، حيث بذلت اللجنة جهداً كبيراً بفتح هذا الملف واحالة المسؤولين المتورطين بالفساد الى النزاهة”.

وكشف النائب عن “وجود 18 مشروعاً سكنياً تابعاً لوزارة الاسكان اغلبها مشاريع معاقة احيلت من قبل الوزارة بطريقة عرجاء، لا عن طريق المقاولة ولا عن طريق الاستثمار”، لافتاً الى أن “هناك جهات متورطة بهذا الموضوع”.

وتابع انه “تم فتح هذا الملف وسيتم تشخيص الخلل واحالة المتورطين الى النزاهة”، موضحاً أن “السياسة الاسكانية في الدولة لم تكن واضحة المعالم، حيث ما زال العراق يحتاج الى بناء أكثر من 3 ملايين وحدة سكنية”.

سياسة إسكان خاطئة

من جهته, عزا الخبير الاقتصادي محمد شيحان تفاقم ازمة السكن وارتفاع اسعار العقارات بشكل جنوني الى “سياسات الاسكان الخاطئة من قبل الحكومات المتعاقبة”, مشيرا الى ان “الدولة توجهت نحو المشاريع السكنية الاستثمارية، وهي خطوة صحيحة في ظاهرها, لكنها لم تراع الاسعار المبالغ بها في هذه المشاريع. فمن غير المعقول ان يصل سعر الوحدات السكنية في عدد من المشاريع الاستثمارية الى 220 مليون دينار عراقي”.

واضاف شيحان لـ”طريق الشعب”, ان “السبب الاخر للأزمة هو شروط القروض من قبل المصارف، لغرض بناء او ترميم الوحدات السكنية والفوائد الكبيرة, حيث اشترطت المصارف من اجل الحصول على هذه القروض، وجود كفيل ما تسبب في عدم تمكن العديد من المواطنين من التقديم على هذه القروض، في حين كان يمكنها ضمان حقوقها عن طريق حجز قطعة الارض او المنزل”.

وبيّن ان “عددا كبيرا من المواطنين تفاءل بمبادرة البنك المركزي للإسكان، التي وعدت بمنح الراغبين قروضا لشراء الوحدات السكنية بفوائد قليلة, واعفاء الراغبين في الشراء في المشاريع الاستثمارية من هذه الفائدة، واقتصارها على عمولة محدودة”.

واشار الخبير الى ان “الوعود لم تنفذ واقتصرت على الموظفين الموطنة رواتبهم, في اجراء غريب، حرم المواطنين الاكثر حاجة لهذه المبادرة”, منوها بان “القائمين على صناعة القرار يعتقدون ان السكن حق لمن يمتلك المال، في حين ان الدولة ملزمة في مساعدة مواطنيها على امتلاك منازل تليق بهم دون تمييز”.

تمييز مرفوض

الى ذلك, عدّ المواطن جاسب عبيد، شروط قروض الاسكان بـ”تعجيزية”, مطالبا الحكومة بتسهيل هذه الاجراءات.

وقال عبيد لـ”طريق الشعب”, ان “قروض شراء الوحدات السكنية خارج المجمعات السكنية تتطلب شروطا تعجيزية، منها فتح بيان وجلب سند العقار المراد شراؤه”, مشيرا الى “صعوبة تلبية هذه الشروط، التي يجب على الحكومة تسهيلها”.

فيما أبدى المواطن نايف كريم استغرابه من “استثناء المواطنين غير الموظفين من هذه القروض”.

وقال كريم في حديث لـ”طريق الشعب”, ان “القروض مدعومة من البنك المركزي. ومن المعلوم ان اموال البنك المركزي تأتي من خلال تصدير النفط. وعليه فإن للجميع حقا فيها من دون تمييز”.

وطالب المواطن “الحكومة بالعمل على تخفيض اسعار مواد البناء، ومساعدة المواطنين على بناء وحدات سكنية, وتوزيع قطع الاراضي، من اجل موازنة الاسعار الجنونية في سوق العقار”.

فساد اداري ومالي

وتحدثت المواطنة نسرين عمار، عن وجود فساد اداري ومالي، حرم الكثير من المواطنين المستحقين للقروض منها، كون بعض المقترضين يقدمون رشاوى كبيرة الى الموظفين لغرض التغاضي عن تقديم تقارير انشاء الدور السكنية.

وانتقدت نسرين في حديثها لمراسل “طريق الشعب”، بناء المجمعات السكنية وسط (مركز) المدنية. وتقول: ان “ذلك يعني فسادا اخر كون المشاريع السكنية الجديدة ستقوم على البنية التحتية الموجودة اصلاً، وبالتالي فإن ذلك لن يدفع المستثمر الى انشاء بنى تحتية في اطراف المدن، ما يعني مزيدا من الزحامات ليس المرورية فحسب، بل الخدمية ايضاً”.