لم تكافح الإجراءات الحكومية التي تضمنتها ورقتها البيضاء، مشكلات المواطنين، الناجمة عن صدمتي انخفاض اسعار النفط، وتفشي وباء كورونا، انما زادتها تأزماً، الامر الذي فاقم إحصائيات الفقر والبطالة في مختلف مناطق البلاد، وجعل أرقامها الصادرة عن مؤسسات وأطراف رسمية وغير رسمية متضاربة.

فبينما طرح البنك الدولي، أخيرا، أرقاما تخمينية تشير أنَّ نحو 2.7 الى 5 ملايين عراقي مهددون بالفقر من “جرَّاء جائحة كورونا وانخفاض سعر برميل النفط”، قالت وزارة التخطيط، ان معلوماتها تشير الى ان عدد فقراء العراق يقترب من 10 ملايين شخص.

وما بين الإحصائيتين، يقدّر اقتصاديون ومعنيون أن تكون النسب تفوق تلك الارقام، بمعدلات كبيرة.

خصخصة كل شيء

وتبرأ البنك الدولي، على لسان وائل منصور ـ وهو اقتصادي أول في البنك ـ من أن تكون لمؤسسته “علاقة في تحديد سعر الصرف”. 

وأردف منصور كلامه بأن الورقة البيضاء لحكومة الكاظمي تتضمن “إصلاحات حقيقية”، من بينها “تحسين الجباية من الجمارك والضرائب، وكيفية الاستفادة من هذه الموارد في زيادة الايرادات غير النفطية”.

وذكر منصور أن “موارد الموازنة المالية من خارج القطاع النفطي، تقدَّر بمعدل 8 في المائة من مجموع موارد الموازنة”.

وبرغم ما لحق قرار تغيير سعر صرف الدولار أمام الدينار من تداعيات قاسية على معيشة المواطنين ـ لا سيما ذوي الدخل اليومي المحدود ـ يجد منصور ان هناك حاجة لأن تزيد الحكومة “الحيز المالي لتستثمر في قطاعات استراتيجية كالتعليم والصحة او الحماية الاجتماعية والبنى التحتية فلا بد من رفع الإيرادات غير النفطية لتلبية احتياجات وتقديم الخدمات العامة بجودة للمواطنين”.

وما يبدو متناقضا، هو أن منصور يقر بأن “جائحة كورونا وانخفاض سعر النفط قد أثرا في معدلات الفقر ورفعها بين 7 الى 14 نقطة مئوية اي نحو 2.7 الى 5 ملايين عراقي مهددون بالفقر، جرَّاء الجائحة وتذبذب سعر النفط”. وبالتالي فهو يدعو لإجراءات من شأنها تقفز بتلك النسب الى أرقام مضاعفة.

وعن شروط منح القروض، قال منصور ان “البنك الدولي لا يفرض شروطاً سيادية على أي بلد مقابل منحه القروض”.

التعويم أضرّ بالفقراء

وتعقيبا على كلام الاقتصادي في البنك الدولي، يقول الخبير الاقتصادي نبيل جبار العلي لـ”طريق الشعب”، ان نسب الفقر “ارتفعت” نتيجة لـ”تغيير سعر صرف الدولار، الذي أثر سلباً على معيشة المواطن، حيث ان مستوى دخول المواطنين اصبح لا يتناسب مع حجم التضخم في السوق العراقية”.

وأضاف العلي ان “سحب الدعم من مجموعة القطاعات العامة، اصبح يثقل كاهل المواطن العراقي”، مؤكدا ان ذلك كان “من ضمن شروط البنك الدولي قبل منحها القروض، وأهمها سحب الدعم عن قطاعي التعليم والصحة وانهاء مجانتيهما، فضلاً عن رفع سعر الوقود وزيادة الضرائب”.

وزاد أن “البنك الدولي هو مؤسسة استثمارية وليس جمعية خيرية”.

وقدر العلي “عدد الفقراء بـ 7 ملايين، إضافة الى 5 ملايين متوقع نزولهم الى هذا الخط”.

وفي وقت سابق، حددت وزارة التخطيط عدد الفقراء في العراق بأنه “أقل من 10 ملايين شخص”.

ويتزايد معدل الفقر بشكل ملحوظ في المحافظات الجنوبية الفقيرة أصلاً.

خصخصة الشركات الرابحة

الى ذلك, علّق الخبير الاقتصادي، احمد خضير، على موضوع معالجة الحكومة للمشاكل الاقتصادية، وتوفير فرص العمل.

وقال خضير في تصريح لـ”طريق الشعب”, ان “الحكومة الحالية خضعت بشكل كبير الى توصيات صندوق النقد الدولي من خلال فرض سياسات اقتصادية، حملت المواطن البسيط، مسؤولية الفشل والفساد وسوء الادارة لموارد الدولة وثرواتها”, مشيرا الى ان “الحكومة عالجت العجز في انخفاض اسعار النفط من خلال القروض، ولو عادت اسعار النفط للانخفاض مجددا فإنها سوف تعود للاقتراض, نتيجة لغياب الرؤية الاقتصادية الصحيحة”.

واضاف ان “الحكومة الحالية تعمد الى خصخصة وبيع الشركات الرابحة وتحويل ملكية هذه الشركات الى الفاسدين في مشهد غريب، لا يخدم سوى القوى الفاسدة والمتحكمة في البلد منذ عام 2003”.

نقمة شعبية على اجراءات الحكومة 

ويقول الناشط المدني محمد الجبوري، ان “ما يحدث من فقر وبطالة، مرده الفساد والإهمال الذي طال مستوى التعليم وفرص العمل لخريجي الجامعات”.

وحسب إحصائيات الأمم المتحدة فإن أكثر من 45 ألف شخص يتخرجون سنوياً في الجامعات والمعاهد في العراق. وفي سنة 2019 وحدها كان هنالك نحو 50 ألف خريج، وتم تعيين نحو ألفين فقط من هذا العدد.

ويذكر الجبوري لـ”طريق الشعب”، “كلما زاد عدد العاطلين عن العمل وزاد حجم الفقراء، أصبحت الأمور تنذر بموجة احتجاجات كبيرة، تختلف عن سابقاتها”.

ويشير الى ان “الإحباط واليأس الذي يسيطر على الشباب، من جراء من السياسات الحكومية، تجعلهم لا يحسبون أي حساب للسلطة، وهم ينظمون احتجاجاتهم. بمعنى هم تدريجياً يصبحون اكثر صداماً”.

يشار إلى أن نسبة البطالة في العراق في أواخر سنة 2019 كانت 22 بالمئة، ولكن هذه النسبة ارتفعت لتصل إلى 40 بالمئة، وذلك نتيجة تفشي فيروس كورونا وحظر التجوال.

مزاد العملة يواصل إنعاش الأحزاب

وفي مقابل ما يحيق المواطنين من أزمات، يشير النائب السابق ماجد شنكالي، الى أن “الأحزاب تربح يوميا ما يقارب 7 – 8 مليار دينار يوميا عبر شركات الصيرفة التابعة لها بمساعدة البنك المركزي”.

ويقول شنكالي، في تغريدة له على “تويتر” تابعتها “طريق الشعب”، إن “سعر الدولار يصل الى ١٥٠٠ دينار لكل دولار واحد، والبنك المركزي يبيع يوميا ما يقارب ال٢٠٠ مليون دولار. وبالتالي فان تهريب الدولار لا يزال مستمرا”.

ويخمن شنكالي، أنه “بحساب بسيط فإن المصارف وشركات الصيرفة المندرجة تربح ٧ - ٨ مليارات دينار يوميا. وللعلم اغلبها تعود لكتل سياسية واحزاب وشخصيات متنفذة”.

وزير المالية: إصلاحاتنا لم تتحقق

ووفقا لوزير المالية، علي عبد الامير علاوي، فإن أزمات العام 2020 كشفت “هشاشة الاقتصاد العراقي”.

وقال علاوي في تصريح نقلته عن صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، “اذا استمر العراق بالاعتماد على النفط في اقتصاده، فان ذلك قد يكون كارثيا”، مشيرا الى ان إصلاحات اقتصادية كاسحة على مستوى الدولة، قد تساعد في تلافي هذا السيناريو”، وانه بذل جهدا باتجاه هذا التغيير.

ولفت علاوي الى انه كان يتمنى “ان تمهد صدمة العام الماضي الطريق لتنفيذ إصلاحات كاسحة وصارمة. ولكن هذا التحذير لم يدم طويلا في وقت بدأت فيه أسعار النفط بالتعافي مرة أخرى، حيث وصلت أسعار النفط الآن الى ما يقارب 70 دولارا للبرميل، بعد ان كانت بحدود 38 دولارا للبرميل في تشرين الأول الماضي”.

وزاد انه “بدلا من ان تتجه الدولة لتقليص الرواتب وتمويل الاستثمار وإصلاح شامل للاقتصاد التي تعتبر أمورا ضرورية، فإنها اتجهت لمعالجة حالة البطالة بإضافة مزيد من خريجي الكليات والجامعة لقائمة رواتب موظفي الدولة”.

ضرورة تنويع الاقتصاد

ويرتبط الاقتصاد العراقي بظروف ومناخات سياسية؛ إذ تقول أستاذة الاقتصاد السياسي في جامعة بغداد، د. شيماء اللهيبي، ان “اقتصادنا هو ضحية عقود من سوء الاستقرار السياسي والأمني، الممتد فعلياً منذ أواخر السبعينات من القرن المنصرم”.

وتضيف اللهيبي، ان “الاقتصاد السياسي في العراق يتلهف على الدوام لاستخدام عائدات النفط لخلق شبكات ضخمة من الولاء والارتباط بالحاكمين، الذين يشعرون بأن تنويع الاقتصاد إلى قطاعات غير مركزية، سيمنح مزيداً القوة للأطراف والجهات التي تحاول الفكاك من يدي سُلطة الحُكم المركزية”.

وتجد اللهيبي في حديث صحفي، تابعته “طريق الشعب”، أن “الحكومة لم تتخذ أية إجراءات واضحة لتجنب حدوث الكارثة”، مشيرة الى انها “خفضت فقط نسبة الاستثمارات العامة بنسبة 87 في المئة، ورافقتها بإجراء تخفيض على قيمة العملة المحلية بنسبة 18.5 في المئة، أي رفع التضخم في البلاد، ومع ذلك بقي العجز في الميزانية العامة 6.4 في المئة”.

وترهن الأكاديمية، انتشال “الاقتصاد العراقي من بؤرة القطاعات الرعوية”، بجملة إجراءات تشمل “خلق قطاعات إنتاجية وتنموية حقيقية”.