من حيث ان “ الرواية مخطط مدينة “ فقد تشيّدت البهلوان/ المدينة بموازاة هَدْمٍ متواصلٍ للمبنيّ .سرد لنا خلاله عدّة رواة مالديهم من قصص وأخبار ومفارقات يومية، هم ناقلو أسرارالمدينة وخبايا قاطنيها الذين أعيد توزيعُهم في شرائحَ حديثةٍ على أنقاض طبقاتٍ أصيلةٍ شكّلتْ في يوم من الأيام مجتمعنا العراقي ، وقد زحف من فوقها متغيّرٌ تاريخيٌّ صعب أتى على الأخضر واليابس ، فتداعتْ ، فيما تصدّرتْ فئاتٌ أقلّ مايقال عنها انها منحازة  لفئويّتها جعلتْ تتفكّكُ الى مكوّنها وتفكّكُ ماحولها ومازالت تنبش قاع عقلها الباطن حتى لم يعد غير مأوى لغرائز حيّدت إنسانها وتاريخه ونزلتْ لتخبط في هستيريا مافيات تابعة متبوعة ولتمسحَ بغبارها على ملامح مجتمع  وإرثِهِ.

ثمّة في التلقّي مايواجهُه، في أيّة رواية متعدّدة الرواة  اي نواقلها الخبرية للحكاية/الحكايات /..إلّا انّ مهارة المؤلّف في نسج الأحداث وحبكِها حفّز القارئ لتتبّعِ خيوطها حتى بات شريكا في مهمّة الكشف وتصوّر أبعاد الحدث .ولعلّه هو ذاتهُ القارئ الضمني الذي كرّس له ( امبرتو ايكو) دراسته المهمة ، فالمؤلّف هنا يحسب حسابا لوعي القارئ في عموم مراحل تشييدهِ لروايتهِ/ مدينتهِ فيما يتصعّد فعلُ الكتابة مستجيبا لمختلف وجهات النظر التي يمكن أن يولّدها النصّ ، باسترخاء وفّرتهُ خبرة في تحريك الأحداث واستبطان قارئها وفقا لمنظور جمالي وجّه على مستوى اللغة والمخيّلة فعلَ القراءة وفعلَ الكتابة في آن ، ليحقّقَ غايتهُ بالإحاطة التامّة للشخصيات فلم يغفل بِنْياتِها الذهنية ولا قصوى حدود مايمكن ان تصل اليه على مدى مجريات الأحداث بوصفها صورة لواقعِ بيئتِها الحاضنة لها على المدياتِ البعيدةِ والقريبة، فالشريحة الاجتماعية الجديدة وبفضل ماتراكم لديها من ثروة تديرها وتدوّرها منظومة فساد متمأسسة عميقا حتى لتكاد تكون دولة الى جانب الدولة ، لم يحقّقْ لها كل ّهذا الثراء إنسلاخا طبقيّا يؤهّلها للإندماج بالطبقات الرفيعة الأصيلة أو حتى بمقبولية لأفرادها كأبناء بلد. فالتناقضات التي تحيق بشخصية طه جواد مثلا كسائر بهلوانات الرواية مفبركا الصواب والخطأفي خانة واحدة ليس مهما ان تسمى بمسمى طالما انها تدرّ ربحا ،كذلك بيته المصان ظاهريا وانحطاطاته على المستوى الشخصي مع الوسيط محمود وكيف في الوقت نفسه يدعم (سالم العلوان) ويسعى لانقاذه من تهمة هو بريء منها .

تذكّرني (البهلوان) بروايات نجيب محفوظ ، فظاهرها اجتماعي و باطنها تلافيف متعالقة نَمَتْ في فسحات عشوائية صنعتها انهدامات متواصلة روّج لها سادتُها بإخضاع  كلّ شيء للمساومة . فالخيانة الزوجية يبرّرها إنجابُ طفل بأيّ ثمن، وانجاب طفل بأيّ ثمن وهدرُ إنسانيتهِ تبرّرُهُ هكذا ببساطة مشاعر الإنتقام من زوجٍ هجرَ وفضّلَ زوجته الثانية . بينما وقبالة آلة الفساد الشرسة يتواصل اختراق الانسان و التلاعب بمصيره فلا بلد ولاشعب ولاهوية إلاّ من (سالم العلوان )!!المهمّش المقصيّ وخيطُ النور الرقيق المدفوع الى الظلّ ، يظلّ يراوح  وزوّادتهُ صدقٌ مع الذات ينبض في سحيق أغوار ماحوله من هدم.

تكتسب رواية البهلوان أهميتها كونها ترقى الى ان تكون وثيقة للتاريخ عن ظاهرة الفساد وماكنَتهِ التي وقفت وراءها وبقوّة أحزاب وشخصيات متنفّذة تغلغلت من منافذَ هُيّأت لها فوجَّهت إقتصاد بلد بما يخدمها وطالت  من مفردات الحياة فيه بأسرها

عرض مقالات: