كلما شَمَمْتُ رائحة الشواء والشاي المُهيل تذكرت “عبد” عامل المطعم الصغير القابع على ناصية شارع تفوح في جنباته رائحة محببة تنبعث من مطاعم المشاوي والكباب في منطقة  “باب جديد”  وسط الموصل القديمة، وكان “عبد” شاباً يافعاً نظيف المظهر لطيف المعشر ترك الدراسة لِيَرِث العمل في نفس المطعم عن ابيه الذي أقعده المرض، وقد دأب الجميع على مناداته  بأسم “ عبد” وهو نفس الاسم الذي كانوا ينادون به الاب ، وما سمعت احداً زاد على الاسم حرفاً أو حاول أن يسأل نفسه هل هو عبد الرحمن أو عبد الرزاق أو عبد الهادي أو غير ذلك من الاسماء ؟.

كان الشاب “عبد” يمتلك صوتاً رخيماً وعذباً يدندن بأغانٍ موصلية لم أسمعها من قبل، وقد سألته عن مصدرها في آخر لقاء معه فقال وهو يبتسم ابتسامة غامضة:

- كانت امي تغنيها لي في طفولتي ثم صرت اليوم أغنيها لإبني...   

نظرت في وجهه أتقصى  سر ابتسامته الغامضة فلمحت في عينيه ومضة  حزن خافتة تحذوها بين جفنيه دمعة عالقة... حاولت ملاطفته فقلت:

- حسناً يا أبو... ماأسم  ابنك ؟ لاشك انه “عبد” ايضاً...

أطلق ضحكة جامحة وقال بنبرة مفعمة بالغبطة

- انها بنت جميلة اسمها أمل

- ثم اردف  وهو يغادرني لاستقبال زبون جديد  :

- الولد لم أُسَمِه بعد... هو موجود في بطن أُمه منذ اربعة اشهر فقط وكلما سمعني أغني  يتحرك ويبدأ بالرقص على ايقاع الغناء …

بعد ذلك بأيام غادرتُ المدينة على عجل مع اسرتي كغيري من الذين غادروها الى ارض الله الواسعة بحثاً عن أمان لم يجدوه في ديارهم وحين عدت اليها بعد حين  التقيته صدفة في مطعم بالجانب الايسر من الموصل... وقف أمامي وهو يرنو الي بعينين زائغتين تنزان ببريق عذاب رهيب... صافحني بيد مرتجفة أنهكتها صروف دهر عقيم... ادهشني منظره المُكفهر وكأنه قد كبر قروناً عديدة... حاولت ان اكسر طوق وحشته المُريب فقلت ممازحاً :

-  ماذا عن ابنك الجديد عبد؟

ارتجفت شفتاه ولم ينبس ببنت شفة فسألته:

- ماذا حدث؟

مسح جبهته بكفٍ كليلة وأشاح ببصره عني كَمَنْ يُراوغُ نفسه وهَمْهَمَ كأعمى كسيح:

- ماتوا جميعاً... دفنوا تحت أنقاض البيت...

هالني الخبر فاضطربت انفاسي وأحسست لوهلة ان الحياة ليست سوى قدر هائل من المظالم والقروح... وتسارعت اثر ذلك كلماتي وتقافزت كصخور الجبال يقذفها الزلزال، أو كشموس خرجت من مدارها الفلكي، ودون وعي مني أطلقتُ في وجهه سؤالي العجيب:

_ وأنت... لماذا لم َتمُتْ معهم ؟

صرخ بوجهي كنمر جريح:

- أوتظنني ما زلتُ حيا؟

ثم تابع بعد ان تمالك نفسه واستعاد نبرته :

- في ذلك اليوم احترقت سماء المدينة بنيران القتال وكانت زوجتي في مخاضها العسير بولدي الثاني فخرجتُ هائماً على وجهي كالمجنون ابحث عن قابلة الحي أو لعلي أحضى بممرضة تساعدها في ولادتها، وعندما عدت وجدت الارض قد ابتلعت الدار بمن فيها وكان صوت القصف يصم الاسماع والانفجارات تدوي في كل مكان، وأشلاء القتلى مبعثرة في الانحاء .

ران بيننا صمت حزين أردَفَ بعده بصوت يُشبِه الهمس:

- كل يوم اذهب الى هناك لأسمع صوت أمي  يصعد بوهن من تحت الانقاض وهي تردد اغنياتي المفضلة وعندما يهبط الليل اراهم جميعاً امي وأبي وزوجتي وأختي وطفلاي الصغيرين أراهم كطيور بيضاء  تلمس بأجنحتها سقف السماء... تلك ارواحهم تحلق كل مساء فوق ظلام المدينة...

هنا تركته يحدث نفسه وغادرت المكان وأسلمت نفسي للزحام تتلاطم فيه اجساد البشر وفي فمي يَنْحَشِرُ عمود هائل من ملح يأبى ان يذوب...

عرض مقالات: