يوم دافئ ... تقدمت أخط قدمي فوق إسفلت شارع الملكة المكتظ بالبشر وسط العاصمة ستوكهولم. بين حين وأخر أتوقف لأداري ألم الظهر الذي ما أنفك يجبرني على سحب قدمي اليمنى بتثاقل، وصلت عند الجسر الفاصل بين مبني مجلس الوزراء والبرلمان السويدي، طالعت المكان فجلب انتباهي مشهد رئيس الوزراء السويدي الذي أشاهده يوميا من خلال التلفزيون. كان يقف هناك ساندا ظهره إلى السياج الحديدي المحيط باللسان البحري الطويل الذي يفصل المبنيين. كان يقف جواره رجل يتكئ بجسده لدراجته العتيقة المتهالكة الصدئة المقود، ويرتدي بذلة العمل الزرقاء الملطخة بالدهان، كانا يتبادلان الحديث ويطلقان الضحكات بصوت خافت، دون أن يجلبا فضول المارة، سواي.

جلست عند نهاية الشارع فوق تمثال الأسد الأسمنتي، الذي وضع كحاجز لمنع مرور العربات نحو داخل شارع الملكة، باتجاه البرلمان السويدي. بالضبط كنت قريبا جدا منهما، بضعة أمتار لا غير. ذات المسافة التي يقفها الحارس الشخصي لرئيس الوزراء، الذي يتلفت بعجالة ظاهرة ليراقب المارة من وراء زجاج نظارته السوداء.

 سحبت رشفة لذيذة من سيجارة استطبت مذاقها، بعد عناء امتناع أربع ساعات عن تناول السجائر، حسب نصيحة الطبيب وإلحاحه بضرورة الإقلال من التدخين إن لم يكن امتناعا تاما.

تقدم نحوي ثلاثة أشخاص.. صبيان وفتاة، ملابسهم توحي أن لا وجود هناك لمكواة ملابس في بيوتهم، كانوا يتضاحكون ويتدافعون بصخب ظاهر، ولكن مشهدهم هذا لم يجلب انتباه المشاة. تمعنت فيهم طويلا، راقبت مسيرهم المتعرج بل القافز، اقتربوا ووقفوا جواري. فجأة طلبت الفتاة مني باستحياء وبأنف ووجنات محمرة، أن أبتعد عن المكان بعض الشيء. وافقت من دون سؤالها عن السبب، رفعت عجيزتي بتثاقل، وكنت أركز نظري نحو أصغرهم، الذي سحب من كيس قماش يتدلى من كتفه، صفيحة مثقبة بخطوط واضحة، وضعها على الأرض فوق إحدى البلاطات القريبة من الأسد الأسمنتي. سحب الأخر من خرجه قنينة ألوان ورش رذاذها فوق لوح الصفيح، كان رذاذا احمر فاقع. وقفت الفتاة بالضبط أمام البلاطة فارجة ساقيها لأقصاهما، بعد لحظات رفع الصبي الصفيحة المثقبة عن الأرض ودسها في خرجه، لم تتحرك الفتاة من مكانها، دفعني الفضول لمعاينة ما طرأ من أمر، جراء تلك الفعلة التي حسبتها لعبة صبيان، مثلما نشاهد الكثير من شبيهاتها المنتشرة فوق جدران البنايات وداخل الأنفاق، طالعت النقش المرسوم فوق البلاطة: كانت كلمات واضحة بعبارة سويدية صارمة.

Ingen plats för nazister på våra gator

لا مكان للنازية في شوارعنا

لم أستطع تمالك مشاعري وكان إحساسي مفرطا بالنشوة، اقتربت من الفتاة المتصالبة في مكانها، وأنا أسألها بلغتي السويدية الهجينة المرتبكة، عن سبب طلبها مني الابتعاد عن المكان، فتبسمت كملاك طفولي يختزن كركرات الكون. اعتذرت مقدما ثم قالت: كي لا تؤذيك رائحة الدهان المتطاير أو يعلق شيء منه بملابسك الأنيقة، ثم سألتها عن سبب وقوفها بعد أن أنجزوا مهمتهم فأجابت: حتى يتماسك اللون ولا يطأه أحد المارة قبل أن يجف.

مظهرهم الخارجي يوحي بأن أعمارهم لا تتجاوز السابعة عشر عاماً، وكان أصغرهم يبدو كأنه أقرب لعمر الرابعة عشر، صدق حدسي وأنا أسأله عن عمره، فأجابني بما توقعت، ووجهه يفصح عن غمازتين باسمتين ولون وردي مشرق. كان يضع عينيه بثقة كبيرة داخل بؤبؤي عينيّ حين جوابه، فبادرته وبي خليط من مشاعر ارتياح وتوجس.

ـ ما الذي تعرفه عن النازية أيها الشاب ..؟

وكمن أقترف ذنبا، شعرت أن ذلك الفتى الذي أمامي صعق من سؤالي، فانفرج ثغره عن دهشة بائنة ورد بلهجة حازمة.

ـ ما الذي أعرفه؟ أهناك أحد في هذا الكون من لا يعرف عن هؤلاء القتلة الطغاة الفاشيين، إنهم قتلوا وشردوا الملايين من البشر، دون جريرة، كانت جرائمهم تلبية لجنون قائدهم وأفكاره القذرة، كانت جميع أفكارهم تدعو لقتل الأخر ممن يخالفهم الرأي.

ـ ولكن، أسمح لي .. من أين حصلت على هذه المعلومات.

ـ إني أسمعها من الناس الطيبين وأقرأ أيضا عن الجرائم البشعة التي اقترفوها، وأشاهد أفلاماً مرعبة، تعرض دمويتهم وقسوتهم في جميع الأراضي التي احتلوها، إن تلك الجرائم موثقة، وتدينهم دون أدنى شك، إنها عار البشرية، أستطيع أن أزودك بالعديد من الوثائق، عن كل تلك الفظائع والجرائم لو رغبت، سيدي يمكنك الذهاب إلى المكتبات العامة والبحث ومعرفة الكثير عن تلك الأفكار الشريرة.

ـ ولكن، قد أختلف الزمن، والكثير من قادتهم ماتوا أو قتلوا ومضى التأريخ وأصبحت أوربا حرة، فما الذي يجعلكم تتجشمون عناء مطاردة أمثالهم في وطنكم الذي لم يشارك في تلك الحرب.

ـ ليس عدم مشاركة وطني في تلك الحرب يعفي السويد أخلاقيا من تعقب ومنع مثل هؤلاء وأفكارهم العدوانية من العودة وإرعاب الناس وزرع الأفكار القاتلة، إنهم قتلة مجرمون.

ـ ولكن أنتم في بلد ديمقراطي فلم تمنعهم من ترويج أفكارهم، إنها ما عادت تعني شيئاً..إنها مجرد أفكار، أليس كذلك.

ـ حسنا سيدي إنك تعتقد ذلك، ولكن دعني أقول، إن جزءً من الديمقراطية والحفاظ على الحريات والسلام الاجتماعي، يأتي من منع الجريمة المنظمة والاعتداء على الحريات، ومنع الترويج لأفكار القتل والحروب. وهؤلاء هم من أشد المناهضين للديمقراطية وأعداء صريحين للحرية والسلام …إنهم يروجون لأفكار الفصل العنصري وتغذية مشاعر العداء للأجانب والتطهير العرقي، لذا يجب منعهم من الحضور في شوارعنا حفاظا على الديمقراطية والسلام ومجتمع الحريات، ومن أجل مستقبل أفضل للأجيال في جميع أنحاء العالم، إنها مسؤولية أخلاقية يجب أن يشارك فيها جميع من يريد السلام والأمن والديمقراطية لوطنه.

شددت على كفه وأنا أخضها سراعاً بشدة المبهور بهذا الذكاء الوقاد، والدرس الذي علمني إياه عند أعتاب الثالثة والسبعين من عمري، جلست فوق الأسد الأسمنتي أتأمل الكلمات المطبوعة فوق البلاط، وكانت قهقهاتهم الصاخبة تبتعد عني، لوحوا بأياديهم الغضة لرئيس الوزراء وهم يتقافزون، فرد عليهم من بعيد ثم عاد لحديثه مع صاحبه وكان حارسه الشخصي الآخر يقف بعيدا عند الطرف الآخر من بناية مجلس الوزراء يطالع هاتفه النقال. وكنت أنا أنفث دخان سيجارتي الثانية بتلذذ متناسيا كالعادة نصيحة الطبيب.

عرض مقالات: