تمر علينا الذكرى الستون لاستشهادك البطولي وصمودك الاسطوري، كأنك تعيد صرخة برومثيوس حين قال: “كونوا على ثقة من انني لن استبدل مصيري التعس بعبوديتكم الذليلة” في وجه بشاعة جلاديك، الذين لا جامع يجمعهم سوى خيانة الوطن، وتقديم خيرة ابنائه قرابين لاولياء نعمتهم في الداخل والخارج، اعداء الحرية والمساواة والتقدم.

كنت درسا بليغا في التضحية من اجل المبادئ السامية وحب الوطن والدفاع عن كادحيه وفقرائه، وكنت نجما يضاف الى كواكب قادة حزبنا ومناضليه، يضيء ليل الثوريين الطويل، ومن حقنا نحن رفاق حزبك ان نفتخر بما قدمته، واسترخصت حياتك لأجله.

لقد اثبتت الايام ان التاريخ لا يمكن ان يكون شاهد زور، وبالفعل اصدر حكمه بحق جلاديك،  ومن حاولوا النيل من حزبك مهما طال الزمن، فنالوا ما يستحقون واستقروا في  مزبلة التاريخ.

منذ ذلك اليوم المشؤوم في تاريخ العراق المعاصر، 8 شباط 1963الذي  اغتيلت فيه ثورة 14 تموز المجيدة ومعها احلام الفقراء من العمال والفلاحين وكل الوطنيين والديمقراطيين والتقدميين بغد افضل وسلام دائم. ذلك اليوم الذي اسدل فيه ستار الرعب والظلام على عراقنا الحبيب، ليستمر عقودا عاش خلالها شعبنا جحيم اعتى الدكتاتوريات، التي تناوبت عليه وادخلته في دهاليز حروبها الداخلية والخارجية، وقمعها الذي حازت به الجائزة الاولى في مسابقة القمع العربية والاقليمية.

ومن المفارقات وسخرية الاقدار ان القطار الذي جاء بهم الى سدة السلطة، هو نفس القطار الذي اخرجهم منها. لكن الطغاة لا يتعظون ابدا، لهذا عادوا بنفس القطار في 17 تموز 1968.

وهذا يؤكد ان ايّ رهان غير الرهان على ابناء الشعب، ومن اجل مصالحهم المشروعة في الحياة الحرة والكريمة، لا يصمد طويلا،  وسيكشفه الشعب عاجلا ام آجلا، وهو يكافح من اجل نيل حقوقه المشروعة المغتصبة من قبل اعدائه المجرمين.

ان العملية السياسية الجارية الآن في العراق، والقائمة على اساس المحاصصة الطائفية والاثنية والاستقواء بالخارج، وصلت الى طريق مسدود، واصبح التغيير ضرورة يسعى اليها اغلب ابناء شعبنا المتضرر من هذه المنظمومة الحاكمة، والتي لا تؤدي محاولات اعادة  انتاجها سوى الى اعادة انتاج الارهاب بأشكال مختلفة، وحماية الفاسدين من المحاسبة، واستمرار الفساد المالي والاداري، وزيادة معدلات البطالة، وتعمق التفاوت الطبقي، وسوء الخدمات، وكل ما عبّر الشعب عن رفضه له، وسعى لاصلاحه وتغيير مساره من خلال حركته الاحتجاجية، وعبر نسبة المشاركة المتدنية جدا في الانتخابات الاخيرة، والتي عكست الواقع بما لا يقبل الشك.

واقع التذمر والسخط من طرف اغلب العراقيين على القوى المتنفذة، وعلى نهجها في ادارة البلد، وتبديدها للثروة من خلال فسادها وسوء ادارتها، وحقيقة ان الطائفية السياسية هي اس البلاء، وسبب الخراب والدمار الشاملين، كما انها خدعة لإعادة انتاج المتنفذين وحماية الفاسدين وانتاج نسخ جديدة منهم بأشكال مختلفة.

وكل ذلك يدعو القوى الوطنية والديمقراطية والمدنية، الى تحمّل مسؤوليتها، وتجاوز معوقاتها الذاتية، وموسميتها،  والى المشاركة الفاعلة في الحراك الاحتجاجي العام، او على مستوى القطاعات المهنية، وزيادة زخم ودور منظمات المجتمع المدني ذات التوجهات المدنية والديمقراطية، وبضمنها الاتحادات والجمعيات والنقابات، من اجل تغيير موازين القوى لصالح الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية، دولة المواطنة والمؤسسات، وسيادة القانون وتطبيقيه على الجميع. الدولة التي تكافح الفساد وتقدم  الفاسدين للقضاء، وتسعى لتنويع الاقتصاد، وتجاوزمشكلة الاقتصاد الريعي والاحادي الجانب الذي ابتلي به الاقتصاد العراقي، من خلال اعادة الحياة للقطاعات الزراعية والصناعية والخدمات الانتاجية، ووضع الحلول الجدية لمعضلة البطالة التي تنخر في المجتمع، الدولة التي تسعى لتحقيق السيادة الكاملة وترسيخ الديمقراطية.

سيظل الشهيد “سلام عادل” رمزا خالدا لبطولات الشيوعيين، ومنارا هاديا لكل من سار في هذا الطريق المشرف، وناضل وضحّى في سبيل الوطن الحر والشعب السعيد.

انه الامثولة والانموذج الفذ في الدفاع عن المصالح الجذرية لكادحي شعبنا، من العمال والفلاحين وسائر شغيلة اليد والفكر، وكل أبناء شعبنا المحرومين من خيرات بلدهم، ومن الحياة الحرة الكريمة.

المجد كل المجد للمناضل الاسطورة “سلام عادل” ، ولكل شهداء حزبنا الأبرار.

الخزي والعار الأبدي لقتلته، ولكل أعداء الشيوعية والتقدم..

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ألقيت يوم الجمعة 27 كانون الثاني 2023 في «بيت المدى» بشارع المتنبي في الذكرى الستين لاستشهاد الرفيق سلام عادل.