غادرنا قبل أيام القائد الشيوعي والمناضل الجزائري الصادق هجرس، عن عمر ناهز 94 عاماً، قضاها في كفاح عنيد ومتواصل من أجل إستقلال بلاده من الإستعمار الفرنسي، ثم من أجل حرية وسعادة شعبها وبناء الجزائر الديمقراطية.

ولد الراحل في 13 أيلول عام 1928 في منطقة تيزي وزو الواقعة شرق الجزائر، ودرس فيها وفي مدينة البليدة قبل أن يكمل دراسته الجامعية في كلية الطب في العاصمة. إنضم في العشرين من عمره إلى الحركة الوطنية، وصار ناشطاً في حزب الشعب الجزائري، بقيادة مصالي الحاج، والذي مثل أول تنظيم سياسي يطالب باستقلال الجزائر عن فرنسا. وفي عام 1949، ساهم بكتابة برنامج للحزب بأسم (الحياة الحرة للجزائر)، والذي أثار خلافات حادة بين يسار الحزب ويمينه. بعدها انتقل إلى حركة «انتصار الحريات الديمقراطية» وصار رئيساً لأتحاد الطلبة ومشرفاً على فوج الكشافة الإسلامية فيها، وبدأ يقترب من اليسار فكرياً وتنظيمياً، حيث انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي ومن ثم إلى الحزب الشيوعي الجزائري.

أصبح مدير تحرير مجلة «بروغريس» والمستشار العام للحزب في منطقتي الحراش والشرقية. وعند إندلاع ثورة التحرير الجزائرية، شكّل هجرس والقائد بشير بوعلي ورفاقهما كتيبة شيوعية تحت أسم (المكافحون من أجل الحرية ـ مقاتلو التحرير)، وانضموا إلى الثورة، متعاونين مع جبهة التحرير الوطني، دون أن يكونوا جزءًا منها. خاضت الكتيبة بقيادة هجرس الكفاح المسلح، وأنجزت العديد من العمليات المسلحة ضد المستعمرين في الجبال والقرى والمدن الجزائرية، كان من أبرزها الإستيلاء على كمية كبيرة من السلاح من المعسكرات الفرنسية وبالإتفاق مع ضابط فرنسي حّر. أعتقلته سلطات الإستعمار وحكمت عليه بالسجن المؤبد.

تولى الراحل الأمانة العام للحزب الشيوعي الجزائري بعد الإستقلال عام 1962. وفي عام 1965، عارض الحزب بقيادته الانقلاب العسكري، الذي نفذه قائد أركان الجيش هواري بومدين ضد الرئيس أحمد بن بلا، وتعرض بسبب مواقفه للملاحقة، كما تم حظر نشاط الحزب.

في العام 1966 أسس الراحل حزب الطليعة الاشتراكية (باكس)، كأمتداد للحزب الشيوعي الجزائري، وخاض نضالاً سرياً، في صفوف الطلبة والشباب والعمال حتى العام 1988، وبعدها بسنة جرى الإعلان عن الحزب رسمياً في فترة إطلاق التعددية السياسية والإعلامية.

رفض الإنقلاب العسكري في عام 1991، وأضطر إلى الانتقال للعيش في فرنسا حيث مارس نشاطاً صحفياً وفكرياً وعمل محاضراً في جامعة باريس في مادة الجغرافية السياسية، كما ألف كتباً شهيرة عن الحركات الجزائرية الوطنية والاجتماعية منذ بداية الاستعمار وحتى الاستقلال، ونشر مذكراته في كتاب (عندما تستيقظ أمة).

عاد إلى الجزائر في مطلع الألفية الثالثة، وشارك مع حزبه في الإنتخابات التشريعية التي فاز فيها بمقعد في البرلمان. أسس في 2007 حركة يسارية جديدة تحت أسم الحركة الديمقراطية والإجتماعية، ثم أقعده المرض عن مواصلة نشاطه في السنوات الأخيرة.