غيب الموت أخي الحبيب الشاعر علي العضب بعد صراع مرير وقاسي مع المرض، الذي عانى منه الكثير خلال الأربع سنوات الأخيرة.

انحدر الراحل من عائلة بسيطة متوسطة الحال لم تملك المال والأملاك، بل العلم والثقافة والمحبة، وأستمرت حياتنا حتى سنوات اغترابي نعيش ونتنقل بين مساكن بالأيجار.

دخل أخي علي أبواب الكفاح السياسي وهو في ريعان عمره وأهدى الوطن عمره وأبداعه الثري. وتعرض منذ شبابه الى الملاحقة والاعتقال، خصوصا ايّام انقلاب شباط ١٩٦٣ الأسود وفترات الردّة في السبعينيات، وتم استدعاؤه ومساءلته عن سبب أختفاء وسفر أخويه د. محمد وعامر عزيز العضب، وسبب خروجنا من العراق ونشاطنا الأكاديمي والسياسي في الخارج.

عمل بهمة وحيوية في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، متنقلا من مهمة الى أخرى وفِي مواقع مختلفة. وبعد الهجمة الشرسة على حزبنا في أواخر ١٩٧٨ عمل الفقيد في التنظيم السري للحزب وكان خير مثال للمناضل والوطني الغيور. وأستطاع إعادة جمعية الاقتصاديين العراقيين في البصرة، وكسب أسترجاع مقرها وقاد نشاطها لسنوات طويلة بعد السقوط وجعلها مقرا لخدمة البصرة وبرنامجها الاقتصادي.

كتب الشعر منذ نعومة أضفاره وتراثه غني عن التعريف، وأستطاع أبنه تضامن اصدار أقراص لأغانيه الوجدانية والوطنية وديوان لأشعاره وأوبريتاته الرائعة. 

بعد معاناة طويلة ومكابدة مع المرض لا يدرك قسوتها إلا من عايشه وكان معه فيها. وبعد شهور عديدة من التعب والألم والأعاقة الجسدية التامة، وبعد توسّل شديد لتحقيق جزء من أعماله التي رأى بعضها النور وغاب عن كثيرها الأنوار..  بعد صراع بين الأمل والتفاؤل وبين الحزن والهموم تفوّق القدر وظل جاثماً فوق صدر أخي الحبيب، وجعله يهيم بعينيه في السماء ينظر بإحداها الى أخيه المرمي بالغيبوبة على السرير في النمسا، ويرى بالثانية ماضيه الثري وعطائه النابض المفعم بالجمال، وهو لا يستطيع حتى إحتضان أصغر أحفاده وحفيداته الذين ربما كانوا حافزا لمقاومته مرضه اللعين، أثر الجلطة الدماغية في آب 2018.

وُلد الشاعر علي العضب عام 1945لعائلة مُحبة للناس ومتحدة بفعل تواضعها وتأثيرها الأجتماعي. وكان والدنا عبد العزيز العضب وعمنا عبد المجيد العضب يتقاسمان بيتنا الأول قرب محكمة البصرة في محلة السيمر،  وكانت العائلة تمتلك من الوجاهة اكثر مما تمتلك من المال.

أستشهد أخانا محمد جواد العضب في العام الأخير من الحرب العراقية الأيرانية، وتوفيّ أخونا حسين العضب إثر جلطة دماغية بعد مقتل إبنه الحلاق بسام في هجوم للظلاميين سنة 2006. وبقينا أنا وأخي د. محمد سعيد مصدراً لسعادته وطمأنينته العائلية، وكان ينتظر  بفارغ الصبر زياراتي المتباعدة. وقد سنحت لي الظروف بعد سقوط الطاغية في عام 2003 أن أكرر سنويا تقريباً زيارته، وكنّا نختلي في لقاءات روحية ونشعر بالسعادة ونحن نستعيد ماضينا وذكرياتنا في بيتنا مع الأهل، وأيام النشاطات الفنية والنضالية. وكانت آخر زيارة لي هذا العام في شهر تموز، وكان هو في حالة مؤلمة طريح الفراش ويطلب مني أن اسمعه الشعر، وأن أنشر له ما استطيع، وكان متمسكا بالحياة لأن روحه جميلة ولم يكف عن الامل في انجاز مشاريع أعمال فنية جديدة يجسد بها نضال الفقراء والوطنيين من أجل حياة أفضل، ومنها أوبريته الأخير «ثورة الزنج» الذي بقى مركونا لعدم التزام أية جهة بإنتاجه.

علي العضب كان عمودنا الذي نتكيء عليه أيام محننا، وكان خير معين لعائلة العضب جميعها، ولم يدخر بالاً ولا مالاً من اجلها.. وكثيرة هي الأمثلة والمواقف التي تبناها لمساعدة أبناء وبنات عائلة العضب الكبيرة، وحقق من خلالها نتائج تعجز الأسطر عن احتوائها وذكرها. كان واضحا وصادقاً وأميناً  ويدفع من محصوله وراتبه البسيط وهويتنقل بينهم واضعاً في جيوب أطفالهم والكبار منهم بعضاً من المال لمساعدتهم.

إنغمر في النشاط الوطني منذ نعومة أضفاره، ومنذ أن كان في الثانوية تحلى بالحس الوطني وتبنى حتى نهاية عمره قضية الوطن والشعب. خفق قلبه بالحب الغامر لمدينته البصرة وشطّها ونخيلها، وكتب عنها الكثير من الشعر والأغاني وكانت اغنيته الأولى الملحنة والتي يفتقدها اليوتوب هي « كهرّبْ يخلال عجراوي كهرب...متغاوي بحسنّك متغاوي كهرّب « من أداء المجموعة.

في نهايات الستينيات كانت اشعاره تنشر في جريدة بصرية اسمها «كل شئ»، الجريدة التي كان يتقاسمها محبو الشعر والفن والغناء الأصيل. 

كان متقد النشاط وذو حس فطري، ينهال علينا في البيت بقصائده المغناة  التي تداعب القلب والمشاعر، وكان لكل واحد منا نصيبه من الكلمات والقصائد التي حفظناها وصرنا نرددها عن ظهر قلب.. كنّا نقف في طابور ماسكين بعضنا وصانعين قطار البهجة والمرح في ساعات المساء، لتعلو أصواتنا بقصائده وأغانيه الجميلة.

كان علي العضب موهبة شعرية وأدبية فذّة ، لم يترك يوما واحدا في حياته إلا واهدانا فيه غناءاً وعملاً وحضوراً وحباً لبيته وحزبه وقضيته العادلة. ابدع بعفوية قصائد وجدانية وعائلية عن بيته وعائلته واخوانه الذين كان يفتقدهم ويتفقدهم دائما.

عاشر وعايش جيلا من الرواد الحقيقين، الذين أفنوا سنوات حياتهم في خدمة قضية شعبهم ومدينتهم البصرة، ومنهم أبو زيتون وأبو جماهير وهندال وأبو عادل الشايب والفنان الراحل فؤاد سالم  والفنان الراحل طارق الشبلي والمخرج قصي البصري والملحن الكبير الراحل حميد البصري والفنان طالب غالي.

 وقد تأثر كثيراً بالمناضل والكاتب القدير جاسم المطير وبآخرين عديدين من رفاقه.

عرض مقالات: