خرج رئيس وزراء العراق الحالي السيد محمد شياع السوداني على الشعب وهو يتعهد ويعدهم كغيره من قبله من رؤوساء الوزراء السابقين بأنه سيعمل على إنهاء مشكلة الكهرباء المستعصية و يصرح بأن شركة سيمنز الألمانية ستوفر الكهرباء لنحو 23 مليون عراقي خلال بضعة أشهر. وكان مصطفى الكاظمي قبله قد وجّه وزارة الكهرباء بتسريع إجراءات العمل مع شركة سيمنز لتأمين الطاقة الكهربائية.  وفي عام 2019 وقع عادل عبد المهدي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عقد تنفيذ مشاريع تطوير قطاع الكهرباء مع سيمنز الألمانية. وقبله صرح حيدر العبادي إن العراق اتفق مع سيمنز لتطوير قطاع الكهرباء. وقبلهم كلهم كان نوري المالكي قد رعى حفل توقيع عقد بناء محطات كهربائية حديثة مع سيمنز  وتبين فيما بعد أنه محطات تعمل على الغاز الذي يفتقده العراق بغباء لأنه يحرق غازه ويضطر لاستيراد الغاز من إيران بأسعار مرتفعة لإنعاش اقتصادها ، ولا أدري سبب هذا التمسك بشركة ضخمة متخصصة ولها سمعتها الجيدة لكنها لم تنجح في إخراج العراق من محنته الكهربائية المستعصية و العيب ليس فيها بالطبع بل في العراق وحكوماته المتعاقبة منذ التغيير سنة 2003. والكل يعرف إن قضية الكهرباء شائكة ومعقدة وتقنية والكل يعرف إن الكهرباء هي عصب  الحياة وأساسية للعراق لانتعاش  اقتصاده أو ركوده. فكل شيء تقريباً يعمل بالكهرباء اليوم وبدونها تشل الحياة فالحداد والنجار والسمكري والكهربائي وصاحب المطعم والمعامل والمستشفيات والأطباء ووسائل الإعلام والاتصالات والمختبرات والجامعات ووووو الخ لايمكنها أن تعمل أو تنتج بشكل صحيح بدون الكهرباء ولقد كتبت ذلك سنة 2008 في مقال نشرته صحيفة إيلاف الإلكترونية تحت عنوان “ لوكنت وزيراً للكهرباء”. وكتبت فيه “عندما كنّا على أبواب صيف لاهب كباقي مواسم الصيف التي مضت والتي أعقبت منذ أربعة عشر عاماً حيث عانى العراقيون جحيم فقدان الكهرباء في بيوتهم أو أماكن عملهم ومازالوا يعانون ، بل أستطيع القول أن موسم الحر بدأ مبكراً هذا العام منذ شهر آذار الماضي عندما كنت في بغداد وتحملت أولى بشائر الحر القاتل. والعراقيون يتساءلون لماذا هذه الأزمة الدائمة والمستعصية على الحل؟ هل من المعقول أن بلداً متقدماً ومتطوراً جداً كالولايات المتحدة الأمريكية وبلداً كالعراق بكل إمكانياته المادية الضخمة وكوادره العليا عاجزون أو غير قادرون على وضع حد لهذه المحنة ؟ الجواب الأولي هو الفساد المستشري داخل أوصال وزارة الكهرباء وفي عروق مسئوليها من الوزير إلى أصغر موظف فيها، والإهمال واللامبالاة وانعدام الكفاءات وغياب الإرادة الحقيقية الصادقة ، حيث أن الوزارة لاتقدم للمواطنين سوى الوعود الكاذبة والمشاريع الوهمية وتعلق قصورها  على شماعة الإرهاب  والوضع الأمني المتردي في السنوات الماضية ، وعدم توفر التمويل اللازم والوقود اللازم اليوم، وغير ذلك من المبررات، وكلها ذرائع واهية وأعذار غير حقيقية ومبررات كاذبة أو مبالغ فيها، وهي في الواقع غير مهتمة بمعاناة المواطنين الفظيعة.

فعندما يدعي أي وزير محترم للكهرباء أنه لم يستلم الأموال اللازمة لتحقيق وعوده الكاذبة التي تبجح بها في السابق يرد عليه وزير المالية أن كلام وزير الكهرباء ليس صحيحاً وأن وزارة المالية سلمت حصة وزارة الكهرباء من الميزانية والأموال التي طلبتها ، ونفس الشيء بالنسبة لوزارة النفط حيث ترد وزارة النفط أنها وفرت كل ماطلب منها من وقود لتشغيل المحطات ، فلماذا ، ولمصلحة من ، مثل هذا التضليل والمراوغة والتهرب من المسؤولية والتصرفات اللامسؤولة؟

ألا يتعظ  وزير الكهرباء الحالي  بأسلافه وعلى رأسهم  أيهم السامرائي الذي تطارده شرطة الانتربول الدولية ومطلوب للعدالة العراقية بتهم السرقة والاختلاس والتلاعب بأموال الدولة وتوقيع صفقات وعقود مغشوشة وناقصة أهدرت المال العام ولم تحقق للمواطن أي شيء،؟ والمعروف أن الوزير السيء الصيت السيد السامرائي كان يوقع عقوداً لشراء محطات توليد الطاقة الكهربائية لاتتجاوز محتوياتها الصفحتين فقط ولاتتضمن أية شروط أو تفاصيل تقنية وملزمة للطرف المورد، بينما  المتعارف عليه أن العقد يجب أن تضمن كل شيء حتى عدد ونوعية البراغي التي تربط الماكنات ناهيك عن التفاصيل التقنية الأخرى والضمانات والكفالات والصيانة  وقطع الغيار وغير ذلك، والهدف من التسرع والتغاضي عن التفاصيل هو الحصول على أقصى ما يمكنه من العمولات والقومسيونات، هو وعصابته المتواطئة معه ،من الشركات الأجنبية، دون أن ينعكس ذلك إيجابياً وبشكل ملموس على المواطنين وعلى البنية التحتية لشبكات توليد الطاقة الكهربائية المتهلكة في البلاد والتي تعاني من تدهور مريع، وكانت النتيجة عشرات المحطات الجديدة التي لاتعمل لعدم توفر باقي المستلزمات التقنية التي تحتاجها وما تعانيه من نقص في قطع أساسية لتشغيلها كما أخبرني أحد المدراء.

المعروف أن لكل مشكلة حل ولمشكلة الكهرباء عدة حلول. لو كنت وزيراً للكهرباء وأميناً على مصالح البلد ومتحسساً بمعاناة الشعب ومتفهماً لاحتياجاته اليومية ، لتصرفت على الفور ومنذ اليوم الأول لتسلمي مهمة وأمانة هذه الوزارة للبحث عن الحلول اللازمة بأسرع وقت ممكن مهما كلف الأمر من جهد ومال ، ولاقترحت عدة مقترحات منها المؤقتة على المدى القصير والفوري ومنها الاستراتيجية طويلة الأمد وتحتاج للكثير من الوقت والجهد والمال لكنها تعطي ثمارها الأكيدة بعد أشهر أو سنوات قليلة. هناك أولاً مقترح الوحدات والتجمعات السكنية القريبة من بعضها والمشتركة ببعض المزايا الجغرافية حيث يمكن نصب محطات توليد كهرباء صغيرة خاصة بتلك الوحدات السكنية ومعها محطات احتياطية وتكليف القطاع الخاص بإدارتها والإشراف عليها ويقتصر دول الدولة على المراقبة والإشراف وتسهيل المهمات وتوفير الوقود الرخيص وقطع الغيار لإدامة الصيانة وفرض الغرامات العالية جداً على المخالفين أو المتلاعبين بحقوق الناس. الكل يعرف أن محطات توليد الطاقة الكهربائية تعمل إما على الهواء وطاقة الرياح “ الأوليونات” أو المراوح الضخمة والعالية التي تستغل الرياح وتحولها إلى طاقة كهربائية كما هو متبع في دول شمال أوروبا والدول الاسكندنافية وهولندا وهي وسيلة تحمي وتحافظ على البيئة ولاتلوثها. وهناك محطات تعمل بالمياه واستغلال الشلالات والسدود لتوليد الطاقة الكهربائية. وهناك محطات تعمل بالغاز  وأخرى بالوقود كالكيروزين والنفط الأبيض والكازوال والبنزين والنفط الثقيل الناجم عن المصافي وغيره من أنواع الوقود وهي كلها متوفرة في العراق باعتباره بلد نفطي كبير، أو يمكن توفيرها عن طريق استيرادها في الوقت الحاضر كالغاز. وهناك محطات توليد الطاقة الكهربائية تعمل بالوقود النووي أي توجد مفاعلات نووية سلمية تقتصر في عملها على توليد الطاقة الكهربائية الرخيصة والمضمونة والوفيرة لكنها تولد نفايات نووية يمكن طمرها في الصحراء الشاسعة تفادياً لضررها.وهناك بالطبع الطاقة الشمسية التي يمكن تحويلها إلى طاقة كهربائية شبه مجانية لأن الشمس في العراق متوفرة والحمد لله صيفاً وشتاءاً فلماذا لايتم استغلالها والأمر ليس طوباوياً أو مستحيلاً فلقد درست هذه الإمكانية دراسة معمقة ووضعت دراسات جدوى لهذا الغرض ويكفي نصب أجهزة مختلفة الأحجام ذات مرايا خاصة تستقبل وتختزن الطاقة الشمسية ثم تحولها إلى طاقة كهربائية حسب الطلب والحاجة. وهذه الأجهزة متوفرة بأحجام واسعار مختلفة ومتننوعة منها مايكفي لبيت واحد تثبت فوق أسطح المنازل أو وسط مجمع سكني محدد أو فوق أسطح بنايات سكنية ومنها محطات ضخمة لتجهيز مدن كاملة بالتيار الكهربائي. المشكلة تكمن في ثمنها المرتفع الذي يدفع مرة واحدة عند شرائها، أما المادة الأولية اللازمة لتشغيلها فهي مجانية وهبة من الله للبشر ، والصيانة ليست عسيرة أو معقدة. فلماذا لم يفكر بها أحد أو يبادر إلى تطبيقها ولو على سبيل المثال  وتقديم عينات عملية  ملموسة على أرض الواقع خاصة أن هناك شركات استثمارية عالمية مستعدة للاستثمار في هذا القطاع وبيع انتاجها للوزارة وربط المحطات الشمسية بالشبكة الوطنية؟

المشكلة أن العاملين في وزارة الكهرباء لايشعرون بمعاناة المواطنين بل أن الكثير منهم يستغلها ويبتزون المواطنين في عمليات القطع والتوزيع غير العادل للتيار على هذه المنطقة دون تلك لأنها تدفع أكثر. وهم يتمتعون بالكهرباء دون باقي المواطنين حيث لاتنقطع الكهرباء عن بيوتهم ولا ثانية واحدة  وتقدم لهم مجاناً  وهذه معلومة أعرفها جيداً لأنني عندما كنت أزور أهلي في مسقط رأسي أطلب منهم اصطحابي وقت الظهيرة إلى بيت صهري أو نسيبي الذي يعمل في دائرة الكهرباء في المحافظة لكي اتمتع ببعض البرودة من مكيف الهواء الذي يعمل عنده بلا انقطاع وأشاهد برامج التلفزيون دون انقطاع وأفتح الانترنيت دون انقطاع. ونفس الشيء أقوم به في بغداد حيث يستضيفني أحد أقاربي المدير في وزارة الكهرباء لأن بيته لايخلو من هذه الطاقة التي لا أتحمل انقطاعها أو غيابها لأن ذلك يدمر أعصابي. فلايمكنني تحمل الحياة في العراق لاسيما في الصيف بدون الكهرباء فكيف يتحمل هذا الشعب الصابر هذه  الكارثة منذ سنوات لاتعد ولاتحصى؟.

ذكرت في مقالي قبل 15 عاماً خبراً إعلامياً كنت قد قرأته قبل بضعة أشهر بهذا الصدد في صحيفة لوموند الفرنسية عندما تعرضت دولة جنوب أفريقيا لشحة في التيار الكهربائي وأصابها نقص حاد في الطاقة الكهربائية التي تحرك عجلة الاقتصاد والانتاج ، استنجدت دولة جنوب أفريقيا بفرنسا الرائدة في مجال توليد الطاقة الكهربائية بالمفاعلات النووية. فما كان من رئيس جمهورية فرنسا آنذاك نيكولا ساركوزي إلا أن طار على وجه السرعة بصحبة جيش من التقنيين والأخصائيين من شركة الكهرباء الوطنية للقيام بما يلزم لتوفير الكهرباء لجنوب أفريقيا في غضون بضعة أشهر تعد على أصابع اليد والواحدة. وليس هناك سر في هذا إذ باشرت فرنسا في نصب بضعة مفاعلات نووية سلمية ومدنية مهمتها توفير الطاقة الكهربائية الكافية وبسعر معقول وهذا الأمر ليس مستحيلاً تحقيقه في العراق شرط توفر النية الصادقة والإرادة الحقيقية والإمكانات المالية من خلال إبرام عقود مماثلة تخضع لإشراف ومراقبة لجنة الطاقة الذرية والدولة المزودة أي فرنسا. فلو كنت وزيراً للكهرباء لطرت فوراً إلى باريس وقابلت القائمين على قطاع الطاقة الكهربائية فيها ولن أغادر باريس قبل التوقيع على عقود تجهيز العراق بالكهرباء إلى أمد غير محدود خاصة وأن فرنسا وعلى لسان مسؤوليها وعلى رأسهم الرئيس السابق ساركوزي نفسه ووزير خارجيته بيرنارد كوشنير ، الذي زار العراق مرتين ، مستعدة لمساعدة العراق في إعادة البناء والإعمار وبناء وترميم البنى التحتية وتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين في كافة المجالات، وهو نفس الموقف الذي تتبناه حكومة إيمامويل ماكرون الحالية. وهو نداء مفتوح أوجهه للسيد رئيس الوزراء الحالي السيد محمد شياع السوداني ، وللسادة أعضاء مجلس النواب ورئيسه  وللسادة أعضاء مجلس الرئاسة وفخامة رئيس الجمهورية أن ينقذوا الشعب العراقي وإخراج العراق مرة وإلى الأبد من أزمة الكهرباء القاتلة وليعلم الجميع أن صبر العراقيين مهما طال فسوف ينفذ وعندها ستحل الكارثة.

عرض مقالات: