بين إجراءات الإغلاق الوبائي الأولى منتصف آذار 2020 وتكليف مصطفى الكاظمي مع مطلع أيار من ذات العام، لتشكيل الحكومة خلفًا لعبد المهدي، كانت آخر فصول الاحتجاجات قد أُغلقت تقريبًا، لتغلق معها قائمة شهداء تشرين الذين سقطوا بالنيران المباشرة لما عُرف حينها بـ”الطرف الثالث”، ويفتتح بعدها فصل آخر من القمع الذي مورس ضد الناشطين المشاركين في الاحتجاجات التي اندلعت مطلع تشرين الأول 2019.بعد مرور زهاء ثلاثة أعوام على رفع آخر خيمة اعتصام في ساحات مدن وسط وجنوب العراق، عادت قائمة ضحايا تشرين مرة أخرى لتفتح وتسجل اسم شهيد أخر يضاف إلى ما يقارب 800 شهيد و25 ألف جريح بينهم أكثر من 5 آلاف معاق إعاقةً دائمية، وفق إحصائية للمركز العراقي لجرائم الحرب.

معاناة الشهيد

حسين عودة الساعدي الذي توفي مؤخرًا بعد إصابته خلال احتجاجات 2019، أُضيف لقائمة الشهداء، فما هي قصة معاناته مع القنبلة الدخانية التي استقرت في جمجمته إلى آخر يوم من حياته؟

بدأت قصة معاناة حسين عودة، صاحب 39 عامًا، والموظف في إحدى الدوائر الحكومية، حين قرر النزول إلى ساحة التحرير استجابةً لدعوات أُطلقت في مواقع التواصل الاجتماعي للتظاهر يوم 1 تشرين الأول 2019، وهو اليوم الذي انطلقت فيه حملة قمع سقط على إثرها شهيدان هما محمد الساعدي وعباس إسماعيل الذين توفيا لاحقًا بإصابته بقنبلة دخانية.

حملة القمع هذه لم تمنع حسين من النزول ثانيةً إلى ساحة التحرير في الأيام الثلاثة اللاحقة التي شهدت تعتيمًا إعلاميًا كبيرًا بفعل قطع خدمات الإنترنت في العراق وإغلاق عدد من مكاتب القنوات الفضائية حينها.

في يوم 28 تشرين الأول، وعلى مقربة من جسر الجمهورية، ووسط زخات من القنابل المسيلة للدموع، سقط حسين على أرض ساحة التحرير بعد أن استقرت إحدى القنابل الدخانية في جمجمته، لينقل على إثرها إلى مستشفى الجملة العصبية في بغداد.

وبحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية (إمنستي)، فأن القوات الحكومية كانت تستخدم القنابل الدخانية بقصد القتل وليس التفريق، حيث وثق تقرير المنظمة العشرات من حالات الإصابة بقنابل دخانية مخصصة للاستخدام العسكري والتي تم استخدامها في العمليات العسكرية في صربيا ودول البلقان وفي قمع عدد من الاحتجاجات في إيران.

قنبلة في الجمجمة ورحلة الثلاث سنوات

تعرض حسين نتيجة لإصابته بالقنبلة لعدة كسور في عظام الجمجمة إضافة إلى تلف في الدماغ، الأمر الذي استدعى تدخلًا جراحيًا لرفع المقذوف من جمجمته ومعالجة منطقة الإصابة. ولكن رحلة العلاج لم تنته هنا بل كانت أول فصول القصة حيث أُحيل إلى مستشفى العلوم العصبية، والتي أرجعته بدورها إلى مستشفى الجملة العصبية بتاريخ 27 تشرين الثاني، مع تقرير طبي يشخص معاناة المريض من “ضعف النصف الأيمن من الجسم مع نوبات سقوط مستمرة وغير مسيطر عليها”.

بقي حسين طيلة فترة الثلاث سنوات السابقة في رحلة علاج مستمرة بين المستشفيات الحكومية والأهلية، وعلى الرغم من تولي حكومة الكاظمي مسؤولية ملف علاج جرحى التظاهرات، لكن لم تجرَ له أية عمليات جراحية ولم يتلقَ أية خدمات طبية أخرى، بدعوى عدم جدوى التدخل الجراحي وتأجيل العلاج إلى حين “تليف بقايا المقذوف المتبقي داخل الجمجمة”، بحسب صالح زامل، وهو خال حسين عودة وأحد مرافقيه في رحلة علاجه. وبعد تشكيل حكومة الكاظمي، وفي سياق امتصاص نقمة المحتجين، أعلن رئيس الحكومة عن تكفله بإرسال عدد من جرحى الاحتجاجات، من ذوي الحالات الشبيهة بحالة حسين، للعلاج خارج العراق، ولكنهم لم يحصلوا على الرعاية الكافية حيث انتهى بهم المطاف في إحدى مستشفيات العلاج الطبيعي لكبار السن في ألمانيا، وفقًا لتصريحات مجموعة من الجرحى أكدوا أن “حالاتهم تستدعي عمليات فوق الكبرى وأن المستشفى التي أُرسلوا إليها غير مؤهلة لعلاج مثل هذه الحالات المستعصية”.

يقول صالح زامل “تمت مراجعة دائرة ضحايا العمليات الحربية والأخطاء العسكرية في مؤسسة الشهداء بعد تشخيص العجز لدى حسين بنسبة 100 في المائة، ولكن ذلك لم يجد نفعًا، إذ لم يستلم حسين أية تعويضات إلى هذه اللحظة”.

ويضيف: “الآن قد أبلغتنا مؤسسة الشهداء بأن يُعاد ترويج معاملة التعويض مرةً أخرى والبدء بالإجراءات ذاتها مرةً ثانية للحصول على مستحقات شهيد بعد أن توفي حسين متأثرًا بإصابته”.

وكان حسين عودة، والذي بلغ قبل وفاته 42 عامًا، يعاني جراء اصابته، من نوبات صرع غير مستقرة وتدهور مفاجئ في حالته بين فترة وأخرى، نتيجة استقرار شظايا المقذوف في جمجمته، إلا أن حالته الصحية قد انهارت تمامًا أواخر شهر آب الماضي، لينقل على إثرها إلى وحدة العناية المركزة في إحدى المستشفيات الحكومية.

لكن رحلته العلاجية هذه كانت الأخيرة، ليختتم رحلة معاناة استمرت ثلاث سنوات بوفاته في 4 أيلول الحالي تاركًا خلفه زوجة وستة أطفال، يبلغ أصغرهم ثلاث سنوات، بلا معيل ومن دون حقوق تقاعدية عن وظيفته أو أي تعويض عن إصابته.

تعقيد متعمد أم إجراءات بيروقراطية؟

ربما لم تكن قصة حسين عودة قصة معاناة فريدة من نوعها، فهناك الكثير من الحالات الشبيهة في قائمة ضحايا تشرين، التي لم يسلط عليها الضوء، وعانى أصحابها من إهمال شديد ليذهبوا ضحية عدم الاستقرار السياسي الذي أبعدهم عن دائرة الاهتمام الحكومي على الرغم من التعهدات الحكومية بمعالجة جرحى احتجاجات تشرين، بحسب ناشطين.

علي الدهامات، وهو شقيق الناشط أمجد الدهامات الذي اغتيل عقب احتجاجات تشرين، يؤكد وجود مئات الحالات المشابهة لحالة حسين عودة، ويقول: “على الرغم من شمول الكثير من جرحى انتفاضة تشرين بملف الجرحى، لكن هناك تقصيرًا واضحًا من قبل الحكومة العراقية في متابعة هذا الملف، فهناك الكثير من الجرحى تم إهمالهم تمامًا طوال الفترة السابقة”.

ويضيف الدهامات، وهو مؤسس منظمة تشرين لحقوق الإنسان: “بعد ضغط الحركة الاحتجاجية، أصدرت حكومة الكاظمي قرارًا وزاريًا بشمول جرحى وشهداء تشرين ضمن مؤسسة الشهداء وتصنيفهم كضحايا أخطاء عسكرية، ولكن هذا القرار الوزاري معرض للنقض من قبل أية حكومة قادمة، ولذا نحن نعمل حاليًا مع عدد من النواب المستقلين على استصدار قرار برلماني لشمول الجرحى والشهداء ضمن قانون مؤسسة الشهداء لضمان حقوقهم في المستقبل”.

لجنة متخصصة بملف ضحايا تشرين

وشهدت الجلسة الأولى للدورة البرلمانية الحالية تشكيل لجنة نيابية خاصة لمعالجة قضية ضحايا الاحتجاجات بعد طلب تقدم به النائب سجاد سالم، ولكن اللجنة بقيت “حبرًا على ورق” بحسب سالم الذي قال في تصريح سابق لـ”ألترا عراق” إن “اللجنة تم تشكيلها وإعداد هيكليتها ونظامها الداخلي، لكنها لم تُعرض للتصويت وبالتالي فهي بلا صلاحيات للقيام بأي دور لمعالجة ملف الضحايا”.

وعن سبب تأخير حسم ملف تعويضات ضحايا احتجاجات تشرين، يقول الناشط علي الدهامات: “هناك نوعان من العراقيل التي تقف أمام أخذ الضحايا لمستحقاتهم: الأول هو نقص في الأوليات التي تثبت إصابتهم خلال التظاهرات، فهناك الكثير من الجرحى اضطروا لإخفاء هوياتهم الحقيقية عند الذهاب إلى المستشفى أو أخفوا سبب إصابتهم خوفًا من الاعتقال في حينها”.

وعن السبب الثاني، يقول الدهامات: “المعرقل الآخر الذي لمسناه في بعض المحافظات، هو وجود قصد واضح لعرقلة استلام الضحايا لحقوقهم عبر وضع شروط كثيرة أو توظيف الإجراءات البيروقراطية للمماطلة في إكمال المعاملات كطلب تأييد من هيئة المساءلة والعدالة مثلًا وهو ما لا علاقة له بمثل هذه القضايا”.

من جانبه، يؤكد الجريح احمد خلف لـ”طريق الشعب”، انه أصيب في بداية الانتفاضة بخرطوش الصجم، استقر عدد منها في انحاء جسده، فيما كان نصيب رقبته صجمة كانت قريبة من حبال الاوتار الصوتية.

ويضيف ان الأطباء في العراق عجزوا عن استخرجها، وعند تقديمه في اكثر من مرة، من اجل التسجيل في رحلة علاج لم يعره أحد أي اهتمام.