لن نكون أصحاب رأي، ما لم تكن لنا فكرة. الأفكار ليست متاحة، دائماً، فهي نتيجة قراءة، وبحث، وتأمل، وانشغال، وحوار مع اللغات والثقافات، ومع الآداب والفنون، والفكر والفلسفة، والتاريخ، بكل أعصره وحقبه، الماضي مثل الحاضر، لا انتقاء ولا التفاف، لأن التاريخ، بصورة خاصة، هو ما يكشف لنا بعض ما يضيء النصوص والوثائق، ويفضح سياقاتها، وما جاءت منه من ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية، والأسباب التي ظهرت فيها.

فالرأي، ليس كلاماً، هكذا، على عواهنه، هو وليد جهد وفكر ونظر، وعمل لا ينقطع، في مجال اشتغالنا، أو ما هو ضمن اهتمامنا، أو تخصّصنا، مهما كان ما نختص فيه، أو به. ولعل في انفتاحنا على تاريخ الأفكار، ما يفِيدنا كثيراً في معرفة طبيعة الأفكار، وما كانت تتأسس عليه، أو تخرج منه من عقول وخيالات، عند الفلاسفة، وعند الشعراء، وعند العلماء أنفسهم، لأن الرأي لا ينتج عن الصدفة، ما لم يكن حاصِل عمل مضنٍ وشاق، عمل سنوات من الكدّ والتحصيل، ومن الحوار والإنصات، ومن مقارعة الأفكار التي سبقتنا، وما اقتضته من سؤال، ومن حجة وبرهان.

وإذا كانت الأفكار غير متاحة، دائماً، كما يقول جيل دولوز، فالرأي، أيضاً، غير متاح، لأن الرأي فكرة، وهو سؤال، أو نقد، أو قراءة، أو تفكيك لبنيات ما، أو لعقول وذهنيات، ولأفكار كانت قبلنا، أو تعاصرنا. فليس الرأي كلاماً عاماً، فهو رأي يتعلق بنسق، أو بسياق فكري ثقافي، لكاتب، أو لمفكر، أو مبدع، أو فنان، وصل إلى هذا الرأي بعد خبرة، وبعد تقص واجتهاد، والرأي يكون هو ذات الكاتب،أو المفكر، أو المبدع، أو الفنان، وحتى حين يتقاطع رأيه مع غيره من الآراء، فالفكرة، تكون هي نقطة الاتصال أو الانفصال بين الآراء

لا بد في الرأي من قضية، وسؤال، أو مجموعة من الأسئلة، ولا بد من أسلوب، ومن منهج، ومن بناء، بدونه لا يمكن أن يصل الرأي إلى القاريء، أو يحفزه على السؤال، وعلى الحوار والنقاش، وعلى التفكير في القضية، أو في السؤال.

كل الفلاسفة، وكل النقاد والشعراء والكتاب من الخلاقين المبتدعين، كانت اللغة أو الأسلوب، ما عضد عندهم الرأي أو الفكرة، ووضعها في الثوب الذي يليق بها، وتليق به. فأي رأي مكتوب، أو مصاغ بلغة لا تمثل ذات الكاتب، لا يكون رأياً، لأنه، ببساطة، صدى للأغيار في الذات التي تكون غير مستقرة على منهج، ولا على بناء، أو طريقة في الكتابة، هي طريقتها هي. ولعل في القول الفرنسي الشائع، الأسلوب هو الإنسان، ما يؤكد هذا، ويضيئه بما يكفي من حجة ودليل.

إذن، فالرأي، كما صرنا نتداوله، اليوم، في الصحافة والإعلام، بمن نسميهم كتاب الرأي، ليس كلاماً يكتب كما اتفق، بل هو قضية، وسؤال، ومشكلة، أو إشكال ما، يكون ملحاً في مقاربتنا له، وفي خوضه بما يقتضيه من روية، وبعد نظر، لأنه يمس العقل، والعمران، بل يمس الإنسان في علاقاته الثقافية والاجتماعية، والسياسة، هي ضمن الثقافة، إذا نحن أردنا أن نعود بالأمور إلى أصلها، كما ظهرت في المدينة عند الإغريق.

لا تنتهي المقالة، بمجرد قراءتنا لها، فهي تبقى عالقة في أذهاننا، تلح علينا، وربما، تستنفرنا، وتدعونا إلى التفكير، وإلى تثبيت النظر في نقطة ما، أو في سؤال، أو مشكلة، أو قضية، أو إشكال، بما يوقظ فينا الرغبة في أن ندلي برأينا، أو ما نراه رأياً، مهما كانت طبيعة الفكرة التي يصدر عنها.

الرأي، إذن، ليس ملقى في الطريق، نتلقفه ونلتقطه لندلي به، بل هو فكرة لها جذور، ولها فروع، ولها أغصان، ولها ظلال، وهي متفرعة، ومتشابكة في تفرعاتها، بنوع من التداخل والتشابك والتعقيد والتصادي.

لا يوجد رأي فارغ، يوجد رأي بلا فكرة، نعم. رأي غير مؤسس، أو رأي هو تكرار واستعادة لما نكون قرأناه هنا أو هناك، وهذا ليس رأياً، بل هو استيهامات، وكلام على عواهنه، من يقرأه، يستشف، تهافته، دون عناء.

لن نكون أصحاب رأي، إذن، ما لم نكن أصحاب أفكار، أو مشاريع فكرية وثقافية، هي ما يكون الإطار المرجعي لما نكتبه ونقوله ونصدر عنه، فمجال المعرفة والثقافة والإبداع، هو مجال أفكار، والأفكار غير متاحة بما نتوهمه من كلام عام، نظن أنه هو الرأي والفكرة، فيما هو حشرجات لغة، من يتفحصها، سيجدها صدى للأغيار، وربما صدى في غير اتجاه الصوت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“المساء” المغربية – 30 آب 2022

عرض مقالات: