بعد قرار تأميم شركة نفط العراق في حزيران 1972، كان واضحا  أن السلطة بحاجة الى عطف شعبي يرفد مواجهتها لرد إمبريالي مفترض بالقوة. وفي هذا المسعى رخصت للحزب الشيوعي العراقي بإصدار صحيفة أسبوعية، فصدرت (الفكر الجديد - بيري نوى) في 18 ايلول 1972 كصحيفة ثقافية باللغتين العربية والكردية.

ومع أن الصحيفة أحترمت طابعها الثقافي الملزم، ألا أنها تحركت في دائرة ذلك بما يتضمنه مفهوم الثقافة من إبعاد فكرية وسياسية وتعبوية.

 لقد قدمت هذا الفهم في عددها الأول بوضوح.

وبصدد سياستها الثقافية تحدثت (الفكر الجديد) عن العملية الأبداعية في خدمة التقدم والديمقراطية، وتمسك الأدباء بمبدأ الدفاع عن حق الشعب وهكذا واصلت (الفكر الجديد) طريقها حريصة على أن لا تخل بألوان الأوراق التي تلتزم بتجسيدها: أسبوعية، ثقافية، فكرية، عربية، كردية، حزبية وديمقراطية بسيطة سهلة عميقة، مفهومة، رائدة جماهيرية عصرية وخفيفة. هل كان ذلك سهلا؟

كلا وكلا ثانية، أذا ما أخذنا بعين الإعتبار مظاهر التضييق والتمييز والملاحقة. كسمة متصاعدة، طالت صحافة الحزب الشيوعي العراقي.. وأخذت (الفكر الجديد) نصيبها غير القليل منها، وعند صدور (طريق الشعب) بعد عام من صدور (الفكر الجديد) فرض على الأخيرة أن يقتصر صدورها باللغة الكردية. وهذا يعني إنسحابها من ميدان هام ويطال إنتشارها الواسع الى حد كبير ثم عادت بعد عامين الى الصدور باللغتين العربية والكردية في 18 آب 1975. على أن طابع المعالجات والمواضيع الكردية بقيت متميزة وآخذة بالتنويع، سواء في الإطلال على المشكلات المتصلة بواقع الشعب الكردي، وقضيته القومية، أو في مجال زوايا المعالجة والأحاطة الفكرية والسياسية.

وتركزت الفكر الجديد، في اعداد مختلفة، على أهمية  مكافحة الأمية في السليمانية وسواها من المدن الكردية وتتحدث  عن واقع النشر الكردي المتخلف وتشير الى أهمية النهوض بدور الفرق الفنية في كردستان وتكتب عن الصراع الطبقي وعناصر الواقعية الأشتراكية في الأدب الكردي. وتعقد ندوة موسعة مع أدباء كردستان في مركز الحكم الذاتي.

تكشف فيها مشكلات الثقافة القومية للشعب الكردي وضرورة رعايتها. وتستعرض في لمحة عن مسار حركة الشعر الكردي المعاصر والدور الرائد للشاعر الشيوعي الكردي عبدالله كوران في هذا المجال. وتعقد ندوة حول النص والأخراج في المسرح الكردي، وتنشر ملفا لمناسبة (عيد الصحافة الكردية).

وتوضح ( الفكر الجديد) في مقال مهم أفكار الحزب في مسيرة الثقافة الكردية، وتدعو في عدد لاحق الى إصدار مجلة للدراسات الكردية باللغة العربية. وتتحدث عن موضوعة اللغة الأدبية الكردية الموحدة. أما مساهمة الفكر الجديد في مجال الثقافة العربية- العراقية عموما، فأن جولة  سريعة في أعدادها تعرفنا على أهمية ذلك الدور وخطورته.  فقد أجرت مثلا حوارا هاما حول الأدب والايديولوجيا وتصدرت بمقالات عدة كموضوع تشكيلات الحركة المسرحية في العراق ، وبعد أيام ترصد واحدة من هموم المسرح فتجري لقاء موضوعه: مشكلات الممثل مع النص. وتكتب عن مستلزمات النهوض بالترجمة من خلال ندوتها عقدتها لهذا الغرض.

وتتناول موضوعا طريا في الوضع الثقافي ( الثقافة العمالية.. المفهوم والممارسة) فتنشر في ذلك مواضيع عدة علي هيئة ملف وتتبع في عدد أخر تأثير الحركة الوطنية في فن جواد سليم وهي مجموعة احاديث مع فنانين عراقيين تناولوا المصادر الفكرية والسياسية للراحل.

وتأخذ معالجات وندوات الفكر الجديد طابع التعمق في مشكلة الثقافة الوطنية العراقية.. فتجري لقاء حول الفن والإجابة على تساؤلات العصر وتكتب في البحث عن هوية متميزة للمسرح العراقي.

وتغني الفكر الجديد الإطار الثقافي المحلي بموضوعات من وعن الآثار العالمية التقدمية والعلمية فتكتب مثلا عن لينين وإختيار الحلقة الرئيسية في تطبيق السياسية حول الجانب الطبقي في قضية الطاقة أو موضوعا عن الموسيقار العالمي خاتشودوريان: لا يوجد فن خارج الإطار القومي وموضوعا عن كارل ماركس وتطور الطليعة الثورية للطبقة العاملة ومساهمة ذات دلالة حول تطور العلوم الوطنية في البلدان النامية.

وفي اوائل عام 1979 عندما أشتد الحصار صحافة الحزب الشيوعي العراقي، ولم تعد ثمة إمكانية لمواصلة اصدارها بعد اعتقال وتشريد هيئة تحريرها وشغيلتها واغلاق مكاتبها وتوقف (الفكر الجديد) بعد ستة أعوام ونصف من الجهاد والعطاء قلدت خلالها نيشان إنذار واحد من وزارة الإعلام بحجة خروجها على طبيعتها الثقافية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المقال معد من كتاب للكاتب (من العصبة الى طريق الشعب) الصادر عام 2011 عن دار الرواد المزدهرة.

عرض مقالات: