أبلغني مسؤولي الحزبي في ١٩٧٦ بتكليفي بالعمل في المكتب الصحفي الطلابي في بغداد، وطلب مني حضور اجتماع للمكتب في مبنى صحيفة الفكر الجديد في البتاويين.. إذ سيكون في انتظاري الرفيق فيصل العاني.. وكان هذا لقائي الأول به.. كان أنيقا وبشوشا.. واستقبلني بترحاب شديد.. واضطر الى أن يحني قامته ليعانقني المعانقة الرفاقية التي إعتدناها في لقاءاتنا الحزبية.. فهو رشيق البنية وطويل.. وأنا حاملا معي السمنة الكربلائية وقصر القامة.. وأخذني الى غرفة صغيرة مزدحمة بأعضاء المكتب الصحفي.. قدمني لهم وعرفني بهم، كنت أظن من إسمه أنه من أهالي عانة.. ولكنني فوجئت بأنه من مواليد الناصرية، نشأ وترعرع فيها، وتعرف على الحزب الشيوعي هناك. وانتمى الى صفوفه، وتحول الى جندي من جنود الحزب، فالعانيون منتشرون في كل مدن العراق، ولهم مساهماتهم المشهودة في الحياة الثقافية والعلمية والسياسية.

لقد جذب إنتباهي الرفيق فيصل منذ الإجتماع الأول بهدوءه وتماسكه وقدرته و تحمله على الاستماع بدون أي مقاطعة. ولم يقول قراراته كأوامر، بل يدفع الرفيق المعني ليفهمها. كان يقول لنا كلنا تلاميذ في مدرسة طريق الشعب، وعلينا أن نتعلم منها.

لقد كان في نفس الوقت ممثل الحزب في الجامعة التكنولوجية وعضوا في اللجنة القيادية للمنظمة الطلابية في بغداد، وعرفت منه فيما بعد بأن الفنان المسرحي وجدي العاني أخوه.

كان الرفيق فيصل منكبا على مراجعة ما نكتبه أو ما يصل من المنظمات الحزبية، ويبدي ملاحظاته عن المضمون ومقترحاته في الحذف والاختصار والتعديل. أما كتاباته الخاصة في الجريدة فكانت قليلة. و مضطرا على كتابتها ضمن شروط العمل في المكتب الصحفي.

كان يسعى الى تعلم فنون وتقنية العمل الصحفي من خلال قراءته اليومية لجريدة طريق الشعب.. التي حوت مقالات لأقلام مهمة في الصحافة العراقية، وكان يسعى دوما الى التعلم منهم. وينصت لسماع ملاحظاتهم و أحاديثهم......

ورغم ازدحام وقته بالدراسة والعمل الحزبي، إلا إنه كان ملتزما بالدوام العصري اليومي في غرفة المكاتب الصحفية في بناية هيئة تحرير الجريدة في شارع السعدون.

وفي منتصف عام ١٩٧٧ ودعنا في آخر إجتماع له في المكتب الصحفي، فقد أنهى دراسته الجامعية وحان وقت خدمة العلم العراقي، وحسب الاتفاق وقتها بين قيادة الحزب الشيوعي مع البعث، فيتم تجميد عمل الكادر أو العضو الحزبي طيلة فترة خدمته في الجيش.

وعاد إلينا في نهاية عام ١٩٧٨.. وهو في حماس شديد وتلهف واضح للعمل في بناية هيئة التحرير.. وكأنه يريد التعويض عن الوقت الذي قضاه بعيدا عنها، لكن الوقت قد تغير.. ففي ذلك الوقت كانت منظماتنا الحزبية تتعرض الى أشرس هجمة قمعية منظمة في تأريخ البلد، وأصبح قراءة أو شراء نسخة من جريدة طريق الشعب جريمة ربما تأتي على رقبة مرتكبها. وكنا نعمل في ظروف قاسية.. فرجال الأمن يراقبوننا ونحن ندخل ونخرج من بناية الجريدة.. ويلاحقوننا كظلنا.. وكنا نواجههم بالتحدي واللامبالاة..

وفي خضم هذه الأحداث.. أعتقل الرفيق فيصل العاني مع الرفيقة زوجته إبتسام الآلوسي.. وغيبت أخبارهما.. حتى صدور قرار محكمة الثورة سيئة الصيت بأعدامه مع كوكبة من رفاقه ورفيقاته..

وبقيت زوجته وفية لذكراه وجمع شمل العائلة حتى إستشهادها في قصف أمريكي غادر على احدى المناطق السكنية في بغداد.

مجدا لك رفيقي فيصل.. فأنت عصي على النسيان..

عرض مقالات: