قد يأتي من باب المفاجأة بالنسبة لمتابعي المشهد السياسي الأمريكي أن يعلموا أن رائد الأعمال الشهير وسابع أغنى رجل في العالم إيلون ماسك هو أيضاً تلميذ نبيه للنظرية الماركسية. فما ظهر أخيراً هو أن ماسك قد أخذ على نفسه، وهو في غمرة انشغاله بإدارة شركاته المتعددة مثل تيسلا وسبيس إكس وغيرها، أن يخصص وقتا لقراءة ودراسة كتاب ماركس العظيم ذي الثلاثة أجزاء (رأس المال) - 1867. وفي تغريدة تتصدرها صورة لكارل ماركس نشرها قبل يومين من كتابة هذا المقال قال ماسك ملخصا بلغة عامية ما فهمه من دراسته لعمل ماركس: “رأس المال” بإيجاز: أعطني ذلك مجانا (ولو التزمنا بمستوى السجل اللساني في ترجمة التغريدة لأمكننا القول بالعامية: أبو بلاش كثر منه).

وبالفعل كم هو بارع ونافذ البصيرة هذا التلخيص! فلنا أن نغفر لماسك استخدامه لهذا التعبير العامي ذلك لأنه أوجز حقيقة مهمة وهي أن الفوائد التي تراكمها الطبقة الرأسمالية تأتي أساسا من حقيقة أن القيمة التي ينتجها العمال تزيد على ما يحصلون عليه من أجور مقابل عملهم، أي أن تلك الفوائد هي ناتج “العمل غير مدفوع الأجر”. ويستوجب هذا شرحا بتفصيل أكبر في ما يلي من سطور.

كرس ماركس كتاب (رأس المال) لتحليل القوانين الأساسية للرأسمالية والنظام الاجتماعي والاقتصادي الذي ما زال سائدا حتى اليوم. وقد بدأ بحثه بدارسة الوحدة الأساسية للنظام الرأسمالي وهي السلعة. ثم رأى أن هناك مخزوناً من قوة العمل الحية توجد تحت تصرف المجتمع، وهي طاقة قادرة على إنتاج كل متطلبات الحياة الإنسانية، من الطعام إلى المأوى إلى المواصلات وحتى تقنيات الاتصال. وكنتيجة لتقسيم العمل بين الفاعلين المتعددين في العملية الإنتاجية فإن ناتج تلك العملية يتخذ شكل السلعة، فالسيارات والتلفونات والأطعمة والبيوت هي سلع يتم إنتاجها من قبل أفراد مختلفين وصناعات متعددة وكلها تباع وتُشترى في السوق.

ويمكن إرجاع الطرق المتشعبة والمعقدة التي تعمل بها الرأسمالية الحديثة إلى قانون واحد كان ماركس أول من قام بشرحه بشكل مستفيض وهو: قانون قيمة العمل، الذي يقول بأن أن القيمة الاقتصادية للسلع تتحدد بكمية ما تم صرفه في إنتاجها من العمل الإنساني الضروري اجتماعيا. فعلي سبيل المثال فإن سيارة من إنتاج شركة تيسلا تفوق في قيمتها قيمة غالون من الحليب لأن كمية العمل الذي ذهب في سبيل إنتاجها يفوق ما ذهب في إنتاج الحليب. ويتم تبادل السلع في الأسواق مع سلع أخرى تحمل نفس القيمة (أو بتعبير آخر بقيمة مالية مساوية).

لكن من أين تأتي اللامساواة في المجتمع إذا كان تبادل السلع يتم بحسب كمية العمل المطلوب في إنتاجها؟ ولماذا تحتكر طبقة قليلة كميات هائلة من الثروات بينما يعاني المنهمكون بالعمل الفعلي - وهم العمال - من الفقر والفاقة؟

تبلغ ثروة إيلون ماسك ما يقارب السبعين مليار دولار، أي ما يعادل مليوني ضعف متوسط الدخل السنوي للفرد في الولايات المتحدة والبالغ ٣١ ألف دولار سنوياً. فهل يعني هذا أن ماسك، الذي لم يقض حتى كتابة هذا المقال سوى ٤٩ عاماً قصيرة على وجه الأرض، قد قام بعمل يعادل مجهود مليوني عامل لمدة عام كامل؟ حتى لو عرفنا بأنه يعمل لساعات طويلة يوميا فإن هذه المقارنة مستحيلة.

إن مصدر اللامساواة كما وضح ماركس يكمن في الطبيعة الفريدة لإحدى السلع التي تباع وتشترى في السوق وهي: قوة العمل. ففي اللغة اليومية يمكن أن تسمع من يقول لك بأن العامل أو العاملة يبيعان عملهما إلى الرأسمالي. ولكن ذلك ليس صحيحا تماما، فما يبيعه العامل إلى الرأسمالي هو ليس العمل نفسه بل سلعة قوة العمل، أي قدرته على العمل، وهي التي تدخل في قيمة وعملية إنتاج كل السلع الأخرى.

يشتري سلعة قوة العمل من العمال من يملك وسائل الإنتاج (مثل مصانع سيارات تيسلا في ولاية كاليفورنيا التي يمتلكها ماسك). أي أنه يشتري قدرة هؤلاء العمال على العمل في مقابل أجر أو راتب. ومثل أية سلعة أخرى فإن قيمة هذه السلعة وهي “قوة العمل” تتحدد بحسب كمية العمل الذي يدخل إنتاجها، وهي هنا تساوي كمية المواد اللازمة لبقاء وإعادة إنتاج العامل نفسه. وكلما قل ما هو مطلوب لبقاء وإعادة إنتاج الجيل التالي من العمال بالأجر، زاد فقر العامل وقلت كلفة قوة العمل التي يملكها.

عندما يشتري الرأسمالي هذه السلعة وهي قوة العمل فإنه يملك الحق في استهلاكها. ولكن مربط الفرس يكمن في أن كمية العمل التي يقوم بها العامل على خط الإنتاج أو الموظف في المتجر أو الفلاح في الحقول تفوق قيمة العمل التي يقدمها للرأسمالي والتي تقاس بما يحصل عليه من أجر. وبعبارة أخرى فإن العامل يكدح بمقدار أكبر من السلع الضرورية لإبقائه على قيد الحياة. هناك إذن زيادة أو فائض قيمة تتمثل في الفرق بين القيمة التي ينتجها العامل وبين الكلفة الضرورية لمعيشته. وكلما زاد مستوى الاستغلال (أي كلما زادت كمية الإنتاجية التي يستطيع الرأسمالي استخلاصها من العامل) فإن تكلفة قوة العمل تقل بالنسبة للرأسمالي (أي يقل ما يتوجب عليه دفعه للعامل أو العاملة ليمكّنهما من العيش) وبالتالي تزيد كمية فائض القيمة المستخلصة. فناتج العمل تعود ملكيته للرأسمالي لا للعامل. ويحقق الرأسمالي عبر بيع السلع المنتجة في السوق فائض القيمة الذي استطاع استخلاصه على شكل فوائد يجنيها من ذلك البيع. وبهذه الطريقة فإن الطبقة الرأسمالية ككل تستخلص كتلة من فائض القيمة من الطبقة العاملة ككل. ويتم تقاسم تلك الكتلة من فائض القيمة بين مختلف قطاعات الطبقة الرأسمالية ضمن صراع الأسواق وعبر آليات مثل نظم الأسعار والمنافسة والتلاعب والمناورة والقيود على التجارة، إلى آخره... ويحلل ماركس هذه التعقيدات في كتاب (رأس المال)، ولكن في النهاية فإن ما يتم تقاسمه ضمن ذلك الصراع السوقي هو ما تم إنتاجه عبر إنفاق قوة عمل الطبقة العاملة.

كل ذلك يقود إلى حقيقة أن الأرباح والثروة التي يجنيها الرأسمالي ليست من نتاج عمله الخاص، ولكنه نتاج عمل أناس آخرين هم العمال. وكما يشرح ماركس في مؤلفه الأبكر من كتاب (رأس المال)، “القيمة والسعر والربح” (1865) فإن “فائض القيمة أو ذلك الجزء من القيمة الكلية للسلعة التي تمثل فائض القيمة أو العمل غير مدفوع الأجر هي ما أسميه الربح” أو هي ما نستطيع أن نطلق عليه من وجه آخر ذلك التعبير المبسط الذي وضعه إيلون ماسك “أعطني ذلك مجانا”!

ولكن لابد لنا من بعض التوسع هنا لكي نفهم الوضع الحاضر، فتلك هي الطريقة التي استخدمت بها الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة - خصوصا خلال العقود الأربعة الأخيرة - سيطرتها على جهاز الدولة لكي تحول الثروات مباشرة إلى الأسواق المالية وبالتالي إلى الحسابات البنكية العائدة للقلة من فاحشي الثراء.

وضمن مواجهتها لتبعات جائحة فايروس كورونا قامت الطبقة الحاكمة الأمريكية ممثلة في بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) بمنح مليارات الدولارات إلى شركات وول ستريت مما رفع أسعار سوق الأسهم إلى مستويات استثنائية. وقد تم تمرير عملية الإنقاذ المالي الضخم تلك للشركات الكبرى والبنوك - وهي عملية تنطبق عليها أيضا مقولة ماسك “أعطني ذلك مجانا” عبر تصويت بالإجماع من قبل الحزبين المسيطرين في الكونغرس الأمريكي على تمرير قانون CARES في شهر مارس من عام 2020.

وأخيراً فإن ثروة ماسك بالذات نمت من خلال عمليات مالية من هذا النوع من التدخلات الحكومية. ونتيجة للصعود الكبير في سوق الأسهم وسط وضع شعبي بالغ السوء يخيم عليه الموت والبؤس الاجتماعي كان ماسك يرى القيمة الصافية لثروته تتزايد إلى ثلاثة أضعافها في الشهور السبعة الأولى من ذلك العام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس حزب المساواة الاشتراكي الأمريكي

نشرة «التقدمي» البحرينية – عدد حزيران 2022

عرض مقالات: