ربطت دراسات علميّة مختلفة، منذ مئتي سنة، ازدياد معدّل العنف بحالة الطقس، إذ تشير الدراسات العلميّة التاريخية إلى التأثير الكبير لدرجات الحرارة على السّلوك بشكل عام والبشري بشكل خاص.

وبالطبع، علّمنا التاريخ (ونيوتن) أنّ لكل فعل هنالك ردة فعل، مساوية في المقدار ومعاكسة في الاتجاه، وللتغيير المناخي تداعيات أعمق وأخطر من التي ندركها ونلمسها لغاية اليوم، ويمكنها أن تكون ظاهرية متمثّلة بالكوارث البيئية أو خفيّة وباطنيّة. 

وتظهر دراسات في علم نفس المناخ، أنّ موجات الحرّ يمكنها أن تضر بالصّحة النفسيّة والعقليّة بطرق خفيّة، ولكنها للأسف شديدة وخطيرة، ويقع ثقل أضرار ارتفاع درجات الحرارة على الأشخاص الأكثر فقرًا وتهميشًا، الذين يعانون بالأصل من الكوارث على جميع جبهات وميادين الحياة تقريبًا.

نظرة تاريخية

بحسب الدراسات التاريخية، التي تعود إلى أوائل القرن التاسع عشر، فإنّ المناطق الحارة في العالم لديها معدّلات جرائم تفوق معدّلات الجرائم في البلدان الباردة.

وتشير البيانات والتقارير السنوية، إلى أنّ السلوك العنيف يكون مرتفعًا أكثر خلال الأيام، الأشهر، الفصول والسنوات الأكثر حرارة.

ووجدت دراسة بريطانية أن كل زيادة في درجة الحرارة عن 18 درجة مئوية، تزيد من حالات الانتحار بنسبة 5 بالمئة، ففي المملكة المتحدة مثلاً ازدادت نسبة الانتحار بمقدار 46 بالمئة خلال موجة الحرّ عام 1995، كما لوحظت نتائج مماثلة في أجزاء أخرى من العالم.

ويزيد ارتفاع درجات الحرارة من مستويات هرمون الإجهاد “الكورتيزول” بالإضافة إلى زيادة مستويات هرموني الأدرينالين والتستوستيرون اللذين يتسببان بالسّلوك العدواني والعنيف، بحسب الدراسات.

ومن ناحية أخرى، فإنّ ملايين الأشخاص الذين يعانون من تدهور صحتهم النفسية، معرضون بشكل أكبر لخطر تفاقم حالتهم أثناء موجات الحر أكثر من عامة الناس. وذلك لأن العديد من الأدوية النفسية تمنع تنظيم درجة الحرارة والقدرة على التعرّق، مما يزيد من احتمالية الإصابة بضربة شمس خطيرة.

كما توصّلت دراسة سابقة أجراها علماء من جامعة “فريجي” في أمستردام، إلى أن ارتفاع درجات الحرارة مع نقص التنوع الموسمي الحالي، يؤدي إلى اتباع الناس أنماطا حياتية أسرع، الأمر الذي يسهم في المزيد من العنف والعدوان.

العنف وتداعيات التغيير المناخي

قال باحثون أميركيون، من جامعة “باركلي” في ولاية كاليفورنيا، في دراسة نشرت قبل 8 سنوات تقريبًا، عبر تحليل ستين دراسة في فروع وحقول علمية مختلفة تبحث عن الرابط بين ارتفاع درجة الحرارة والعنف بأن الصراعات بين المجموعات زادت بنسبة أربعة عشر بالمئة، كما أن العنف بين الأشخاص زاد بنسبة أربعة بالمئة لدى أي انحراف في التغيّرات المناخية.

وربطت الدراسة ارتفاع درجة الحرارة بالسلوكيات العدائية من خلال رصد الزيادات المفاجئة في العنف المنزلي في الهند واستراليا، وتصاعد أعمال العنف وجرائم القتل في الولايات المتحدة وتنزانيا والاضطرابات العرقية في أوروبا وجنوب آسيا إلى النزاعات على الأرض في البرازيل.

وحذرت الدراسة من أن درجات العنف بأشكاله المختلفة بسبب الاحتباس الحراري ستتفاقم في معظم الدول بحلول عام 2050.

وتوصلت دراسة حديثة، في جامعة تل أبيب، تبحث تأثير تغيير المناخ على السلوك البشري اليومي، إلى أن ارتفاع درجة مئوية واحدة، يؤدي إلى زيادة بقدر 1 بالمئة من معدّل جرائم العنف.

وجمعت الدراسة بيانات متعلقة بجميع الجرائم المرتكبة في ولاية كارناتاكا جنوب غرب الهند على مدى ست سنوات، بما في ذلك التواريخ ومكان الحادث ومعلومات الطقس اليومية.

ويعرف هذا النوع من الدراسات باسم دراسة “بيج داتا” (البيانات الضخمة)، وهي تسمح باستخدام الأساليب الإحصائية المتقدمة لتحليل البيانات من أجل عزل الارتباطات بين المتغيرات المتعددة بطريقة أكثر دقة مما كان ممكنًا في الماضي.

وتمكنت الدراسة من إثبات وجود آليتين منفصلتين مسئولتين عن الارتباط السببي بين ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع معدل الجريمة.

الآلية الأولى كانت فورية، وهي التأثير الفسيولوجي، الذي يزيد من احتمالية التصرف بعنف عندما يكون الطقس حارًا أكثر. وتتطابق هذه النتيجة مع النتائج السابقة للدراسات التاريخية التي ذكرناها سابقًا.

أمّا الآلية الثانية أبطأ وترتكز على التأثير الاقتصادي، أي عندما يكون الطقس الموسمي خلال العام حارًا ويتسبب في انخفاض غلات المحاصيل، التي تؤدي الى ارتفاع جرائم العنف الناتجة عن الضيقة الاقتصادية.

إنّ المناخ في ولاية كارناتاكا حار باستمرار ومتوسط درجات الحرارة هناك ما بين 20 درجة مئوية على الأقل إلى 30 درجة مئوية كحد أقصى.

كما وجد الباحثون أن هناك ارتباطًا سلبيًا (عكسيًا) بين هطول الأمطار ومعدلات الجريمة، زيادة 1 ملم في هطول الأمطار أدى إلى انخفاض بنسبة 0,3 في المائة في احتمال ارتكاب جريمة.

وفي دراسة حديثة أجريت في بنغلادش، التي تشهد كوارث طبيعية متكررة كل عام، ويفقد الكثير من الناس منازلهم وينزحون إلى أماكن أخرى، في ظل الشعور بالضعف وانعدام الأمان الاقتصادي والاجتماعي، ربطت الدراسة أزمة التغيير المناخي التي تعصف ببنغلادش بازدياد معدّل العنف ضد النساء في البلاد.

ووجدت الدراسة أن نزوح السكان بسبب الأحداث المناخية المعاكسة يؤدي إلى الضعف وانعدام الأمن في سياق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي. كل عام، أدى تآكل الأنهار على نطاق واسع إلى جانب الكوارث الإعصارية وتسلل الملوحة إلى مزيد من النزوح المناخي في بنغلاديش.

وأشارت المعطيات إلى أن النساء يتعرّضن للعنف بشكل أكبر بعد الكوارث الطبيعية، وخاصة العنف الاجتماعي، بسبب الأزمة المالية، حيث تعتبر الأزمة الاقتصادية وانعدام الأمن المالي من الأسباب الشائعة للعنف القائم على النوع الاجتماعي.

وغالبًا ما يجد الرجال صعوبة في العثور على عمل في أماكن جديدة نظرًا لأن معظم الأماكن التي ينزحون إليها فقيرة. ومن دون شك يؤثر عدم الأمان الاقتصادي على الصحة النفسية بشكل كبير، مما يؤدي إلى العنف ضد المرأة، وخاصة بانعدام الدعم النفسي بعد الكوارث.

كما وجدت الدراسة أن زواج الأطفال جريمة شائعة في المناطق المعرضة للكوارث. علاوة على ذلك، فإن زواج الأطفال له آثار ضارة على صحة الطفلة الجسدية والعقلية. وغالبًا ما يؤدي إلى الوفاة، بسبب الحمل المبكر.

2.2  مليار طفل معرضون لخطر شديد

وكشف صندوق الأمم المتحدة للطفولة، في آب الماضي، أن نصف أطفال العالم البالغ عددهم 2.2 مليار طفل معرضون لخطر شديد للغاية من آثار تغير المناخ.

ويتضاعف خطر الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب والانتحار لدى الأشخاص المعرضين لظواهر الطقس المتطرفة، مثل الأعاصير وحرائق الغابات.

ووفقا للصندوق الدولي فإن 15-60% من الأطفال المعرضين لمثل هذه الأحداث يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب.

ولا يتلقى معظم الأطفال الذين يعانون من مشاكل الصحة العقلية، بما فيهم الذين يعيشون في البلدان ذات الدخل المرتفع، أي علاج أو مساندة مناسبة.

ويؤدي تغير المناخ إلى خلق مخاطر جديدة للأطفال والمراهقين، لأنه يؤدي إلى سلسلة من التغيرات التنموية غير الطبيعية التي تتفاعل بطرق معقدة، ما يقوض النضج النفسي الصحي لهم.

يترك تغيير المناخ بصمته على مختلف الدّول، ظاهريًّا وباطنيًّا، بدءًا من الفيضانات، السيول، الحرائق بعد موجات حر قياسية وحتى الصحة العقلية للبشرية المسؤولة ارتفاع معدّل العنف في المجتمعات المختلفة.

إنّ الدماغ البشري يتأثر ويستوعب كل شيء من حوله، وأزمة مثل التغيير المناخي، حتمًا يمكنها أن تؤثر عليه وعلى افرازات هرموناته المسؤولة عن التصرفات البشرية ومن ضمنها العنف.

لا تزال توضع الصحة العقلية وكارثة التغيير المناخي على الهامش، غالبًا لانشغال البشرية بكوارث يومية أخرى، ولكن ربما قد حان الوقت لأخذ الدور الجدي وإدراك الخطر الذي يعصف بالمستضعفين في الأساس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«الاتحاد» الحيفاوية – 24/12/2021

عرض مقالات: