في مساء 18 آب 1991 أوقفت البرامج العادية على شاشة التلفزيون الحكومي في موسكو وعرض تسجيل لباليه بحيرة البجع للموسيقار الروسي تشايكوفسكي، في ما يبدو أن حدثا يدور في الكواليس، حدث ما كان ينبغي أن يحدث، إذ أن الاصلاحات كانت ممكنة دون انهيار دولة عظمى مضى على انشائها نحو سبعين عاما، ولكنها الرعشة الأخيرة للجسد المسجى الذي عبثت به محاولة اصلاح خرقاء قادت الى نهايته المحتومة، كانت محاولة لجنة الطوارىء التي تكونت من عدد من قادة البلاد بعد اطلاعها على مشروع معاهدة جديدة للاتحاد المزمع اقرارها في 20 آب، وبعد أن وصلت اصلاحات غورباتشوف الى أفق مسدود ترتبت عليها أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، حين طرح غورباتشوف مشروعه الإصلاحي في منتصف الثمانينات في ما عرف بالبيروسترويكا كان الهدف المعلن اصلاح النظام الاشتراكي، لكن فريقه (شفارنادزه وياكوفيلف وبوروبوليس وغيرهم) أظهروا عجزا فاضحا، إن لم نقل قصدية سافرة في تنفيذ الاصلاحات بسبب انقيادهم الأعمى للغرب وارتهانهم لمشورة خبراء أمريكان وأوربيين في تفكيك الاقتصاد المخطط والانتقال الى اقتصاد السوق على نحو عبثي ومدمر، وأنهم وضعوا الاصلاح السياسي قبل الإصلاح الاقتصادي وليس العكس، وحين أحبطت محاولة الانقلاب في اليوم التالي ظهر بوريس يلتسين على ظهر دبابة في شوارع موسكو وسط حشد من أتباعه ك(زعيم قومي) ومدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان هللت له وسائل الاعلام الغربية، واذ كان بمقدوره حشد الآلاف من مناصريه في الساحة الحمراء وشوارع العاصمة أصيب الحزب الشيوعي بالشلل والعجز عن فعل شيء لمقاومة الردة والكارثة التي تنحدر اليها البلاد، لو تهيأ لتمرد أغسطس 1991 دعم شعبي من الشيوعيين وأنصارهم لكانت صورة الوضع غير ما صارت اليه، ولكنّ (لو) لا معنى لها في التاريخ ..أهو التكيف والسلبية والتماهي مع البيروقراطية الحاكمة لعقود مضين من عمر النظام والدولة ؟، ورغم ما بينهما من تمايز فقد تبارى الرئيسان (غورباتشوف ويلتسين) في التبرؤ من ميراث الإشتراكية والاتحاد السوفيتي وسعيا الى اخراج الحزب الشيوعي من الحياة السياسية، فقد أعلن غورباتشوف تخليه عن مهام الأمين العام للحزب وحل اللجنة المركزية بينما قرر يلتسين حظر الحزب الشيوعي في جمهورية روسيا الإتحادية، حتى توّج منحى الردة والإنحدار بالإعلان الرسمي عن انهيار الاتحاد السوفيتي في 26 ديسمبر1991، وذلك هدف أنفق الغرب مليارات الدولارات لتحقيقه عبر التسلح والدعاية المضادة والجروب بالوكالة وحشد القوى المناهضة للشيوعية في مختلف بقاع العالم، بعد أيام وفي اجتماع ضمّ يلتسين ممثلا عن روسيا الاتحادية وكرافتشوك عن اوكرانيا وشوشكيفتش عن بيلاروسيا في منتجع بيلوفيجيه قرروا الخروج من الإتحاد السوفيني دون العودة الى البرلمان الإتحادي أو برلمانات الجمهوريات وخلافا للدستور، وهلّل الليبراليون وأعداء الاشتراكية في الداخل والخارج لهذا الحدث المثير، الذي سيفتح الباب على مصراعيه لعودة الرأسمالية في سباق مافيوي لنهب الثروات الوطنية والممتلكات العامة والتفريط بالمصالح العليا، وتسلل عملاء المخابرات الأمريكية والأوربية الغربية والإسرائيلية الى المفاصل الحساسة في جهاز الدولة السوفيتية والمنشآت النووية وسرقة الأسرار العسكرية والأمنية الستراتيجية، ولم تقم الطغمة الحاكمة بزعامة يلتسين ببناء أي شيء، بل كانت تتلقى القروض والتسهيلات من المؤسسات المالية الدولية والمساعدات من الدول الغربية لتنفقها على متطلباتها ومراكمة ثرواتها الشخصية .وهي تتبارى في تهريب الأموال خارج البلاد، وانقسم المجتمع الى أغنياء وفقراء ...المواطن البسيط في معظم الجمهوريات السابقة يعتوره حنين الى الماضي حين كان يحصل على العمل والسكن المجاني ويرتاد أطفاله رياض الأطفال والمدارس مجانا ويستحم على البحر بأذونات تقدمها له النقابات المهنية والجمعيات، كما كان الأكاديميون والفنانون والأدباء يمثلون فئات متميزة، فلديهم مؤسسات ودور نشر وأماكن للاستجمام والإبداع وكذلك الأمر مع الرياضيين، وبلغ العلم في مرحلة من تاريخ الإتحاد السوفيتي شأوا بعيدا، حين أطلق السوفييت صاروخ سبوتنك 1957 متفوقا على النظام التعليمي والقدرات العلمية للولايات المتحدة وأوربا الغربية ثم تحليق يوري غاغارين في العام 1961 في الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض ..

تمرّ الذكرى الثلاثون لانهيار الإتحاد السوفيتي، ذلك الحدث الزلزال الذي عصف بحلم البشرية بتوطد بديل حقيقي لنظام الإستغلال والهيمنة الرأسمالية لينفتج العالم لآلة الغزو العسكري مدعومة بماكنة دعائية ضخمة تروج لنهاية التاريخ وانسداد أفق الحلم الانساني بقيام مجتمع الوفرة والعدالة الاجتماعية والازدهار الروحي، ولم يعد اقتصاد أواخر القرن العشرين محكوما بحواجز سياسية او جغرافية أو قومية، بل اصبح كونيا شموليا لكل بقاع العالم وناشرا قيمه ومنطقه الى حدود أوسع، كانت السياسة أو الأيدلوجيا او المعتقدات تحول دون اختراقها، يقول سمير أمين (إن النظام العالمي الجديد هو النظام العالمي القائم منذ القرن السادس عشر لكن في اطار مرحلة تاريخية جديدة وعلى أساس موضوعي جديد) وتواجه الاقتصادات الخارجة من شروط العولمة واملاءات المؤسسات المالية الكبرى خيار الإذعان وقبول الإملاءات أو الحرمان من مزايا التبادل التجاري والخبرات والمعرفة التقنية ...ثمة من يزعم أن الماركسية التي خرجت من جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية لا تشبه بحال الماركسية قبلها، بمعنى تخلخل اليقينيات والأنساق الجامدة التي ظلت راسخة ومهيمنة على الانتاج الفكري والممارسة السياسية للأحزاب الشيوعية والعمالية، وكان من جرائها اختزال الماركسية الى أدوات وتطبيقات مبتسرة ألحقت الضرر بالأرث النظري لمؤسسي الماركسية وطاقتها الخلاقة في فهم التاريخ والمجتمع، ما يقتضي اجراء مراجعات تاريخية ونقدية وانجاز قطيعة أبستمولوجية مع النسق الدوغمائي الذي تحولت الماركسية بموجبه الى أيدلوجيا دولة ومنهج تبريري فقدت بسببه روحها النقدية وقدرتها على التحليل والاستشراف واجتراح فضاءات جديدة، فلم تستطع مراكز البحث والمعاهد المتخصصة أن تقدم تجديدات في الماركسية، فنشأت فجوة كبيرة بين الواقع المتغير والأدوات المعرفية ... لقد كان الإصلاح الإقتصادي والسياسي حاجة ملحة وضرورة أملتها ظروف التجربة السوفيتية التي اجتازت مسيرة شاقة من المصاعب والتحديات، بدءا من الحصار الغربي وحرب التدخل ودعم قوى الثورة المضادة ثم التغيرات الدراماتيكية في قيادة الحزب البلشفي بعد وفاة لينين 1924 وتشكل منحى عقائدي وبيروقراطي اندمج مع ممارسة بوليسية لا تمت بصلة للمشروع الإشتراكي بوصفه البداية الحقيقية للتاريخ الإنساني، لتواجه في ما بعد صعود النازية وتلويحها باكتساح العالم وانقسام العالم عشية الحرب العالمية الثانية، ثم الهجوم الكاسح على الأراضي السوفيتية 1941 والدمار الهائل الذي تعرضت له البنى التحتية في عدد من الجمهوريات السوفيتية فضلا عن الخسائر البشرية التي قدرت بأكثر من عشرين مليون مواطن سوفيتي، كانت خطة هتلر (بارباروسا) تقوم على اخلاء الأراضي ونهب الثروات واسكان الألمان هناك، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها كان الاتحاد السوفيتي أكثر البلدان المتحاربة ضررا، وبينما تكفلت الولايات المتحدة بإعمار أوربا ضمن مشروع مارشال وخرج الاقتصاد الأمريكي بعد الحرب كأقوى اقتصاد في العالم بما يمثل أكثر من نصف الإنتاج العالمي، فقد نهض السوفييت بأعباء مهمة جسيمة وهي اعمار ما دمرته الحرب، لعل من متطلباتها أو نتائجها معسكرات العمل الإجباري التي تلقفتها الدعاية الغربية كفزاعة ضد الاشتراكية ونسجت حولها قصص وسيناريوهات كما لو أنها وثيقة الصلة بالبناء الاشتراكي، وبموازاة ذلك برزت حمى سباق التسلح والتهديد باستخدام السلاح النووي الذي جرّب قبيل نهاية الحرب على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، وسعي السوفييت لتعزيز القدرات الدفاعية من جديد وامتلاك أسرار القنبلة الذرية والدخول في مباراة شرسة بين النظامين العالميين ترتبت عليها صراعات واستقطابات ومواقف متعارضة وتكاليف باهظة في ما أطلق عليه الحرب الباردة، وبعد وفاة ستالين 1953 انخرطت قيادة الحزب في التركيز على مثالب الحقبة الستالينية والتأسيس لمحاولة اصلاح جديدة للبناء الاقتصادي، ورغم ما تحقق فقد بقيت الفجوة بين الشرق والغرب، كان خروتشوف يزعم أن الإتحاد السوفيتي سيتخطى أمريكا في انتاج الغذاء وفي نظام الرعاية الاجتماعية، إلا أن متطلبات النهوض بالاقتصاد واللحاق بالاقتصادات الغربية كانت من الجسامة والتعقيد تبهظ كاهل البلاد، فأدى ذلك الى تخلفها على المستوى الإنتاجي، فلم يتم استثمار امكانيات العلم في تطوير القوى المنتجة وتحسين طرق الإنتاج أو توجيه الاقتصاد لتأمين الحاجات الاستهلاكية المتنامية، كان السوفييت يدركون انهم متخلفون بزهاء جيلين عن الغرب في ميدان التكنولوجيا فضلا عن أساليب العمل المتخلفة والمترتبة عن بنية الاقتصاد الأوامري و بسبب الدرب الوعر الذي سلكته التجربة الاشتراكية، ما يميز المحاولة الإصلاحية في عهد خروتشوف أن النخبة كانت تؤمن بتفوق النظام السوفيتي والإشتراكية في السجال مع الغرب والنظام الرأسمالي، دون أن تسعى للإفادة من امكانيات االاشتراكية أو تبني آليات النهوض الاقتصادي في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، وحين أطيح بخروتشوف في اجتماع اللجنة المركزية للحزب 1963 انتعشت الآمال من جديد لإصلاح النظام ومعالجة الأخطاء المتراكمة، وقد تحققت منجزات لا يستهان بها في عقد الستينات بزيادة معدلات النمو وسباق التسلح والمكانة الدولية للنظام الإشتراكي رغم ما اكتنف العلاقات الدولية من توترات وانعطافات، وفي السبعينات كان الإقتصاد يعاني من علل واختلالات عميقة تتصل بعصر الركود والنفوذ المتعاظم للنومانكلاتورا (البيروقراطية) وما ينجم عنها من انعدام الكفاءة والهدر على نطاق هائل والعجز عن تطبيق تقنيات جديدة والسوق السوداء والفساد والاغتراب واستشراء السوداوية، في مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي 1981 أشار بريجنيف الى (إنهيار المعايير الأخلاقية وازدياد حالات الطلاق والإدمان على الكحول وتفاقم الجريمة وغياب الحافز بين العمال ولامبالاة البيروقراطية والطلب الإستهلاكي المحبط فضلا عن اغتراب الشباب)، لعل طول مدة بقاء زعيم الحزب والدولة يتسبب في غياب التجديد والمراجعة والديناميات الضرورية لتعديل المسار الإقتصادي والسياسي وانعكاسه على الحقول الأخرى، في كتابه (آفاق الثمانينات) يذكر الأستاذ محمد حسنين هيكل واقعة أفاض فيها دبلوماسي سوفيتي في دولة أوربية وهو في حالة سكر عن أزمة بلاده في بقاء الزعيم دون تبديل بالمقارنة بما هو حاصل في الديمقراطيات الغربية، فقد يتبدل ثلاثة رؤساء أمريكان لكل منهم طاقمه ورؤيته وخبرته بينما يظل الزعيم السوفيتي ثابتا في مكانه، هل تتسق الاشتراكية والماركسية مع بقاء الزعيم مدى الحياة؟ لعلنا نتذكر هنا ردّ انجلز على هيغل في مقولته (كل ما هو واقعي عقلاني) دفاعا عن فريدريك الكبير والملكية في بروسيا ...سوى محاولة يوري أندروبوف الذي لم يتم سنتين في موقع القيادة وقد جاءت متأخرة فإن محاولة غورباتشوف مشوبة بالنقص والشبهات الى جانب تضخيم السلبيات والعوائق لابتداع حلول ومعالجات، وما يميز كتابه الذي صدر في منتصف الثمانينات بعنوان البيروسنرويكا (اعادة البناء) بؤسه النظري وعلو نبرته الديماغوجية، كان غورباتشوف يتحدث في أول الأمر بلغة لينين ثم بلغة مفتقرة الى أدوات نظرية وأخيرا صرّح ببراغماتية أنه اذا لم تتكلل الإصلاحات بالنجاح فإن القيادة ستجرّب بديلا آخر، ومن هنا مبعث استخدامه خطابا يقوم على أولوية القيم الإنسانية، وتخطي مفهوم الطبقة والصراع الطبقي وعلاقات الإنتاج ونفي وجود خلاف بين النظم الاجتماعية المختلفة، والتخلي عن الاعتبارات الستراتيجية للوجود السوفيتي في أوربا وافغانستان دونما مقابل، واضعاف الموقف التفاوضي للاتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة بصدد القدرات الدفاعية والاستراتيجية، وليس بعيدا عن ذلك التركيز على أخطاء الحقبة الستالينية ونشرها بما يشبه الفضائح لغرض طعن الإشتراكية وليس تنزيها لها أو وضعها في سياق تاريخي كما جرى في نشر معاهدة عدم الإعتداء مع ألمانيا الهتلرية 1939، وصل الأمر الى حد تبخيس تراث لينين وثورة اكتوبر ومنجزات الثقافة والعلم السوفيتيين، وهكذا انتهت محاولته بالاتحاد السوفيتي وبلدان المعسكر الإشتراكي الى التفكك والإنهيار على نحو متتابع، ليتقدم منظرو الغرب الاقتصاديين بترسيمة للانتقال من الاقتصاد المركزي المخطط الى اقتصاد السوق عمادها الفوضى والنهب المنظم والعلاج بالصدمة، وتسريع الخصخصة سيطرت بموجبه فئة من الرأسماليين الجدد على الثروات الوطنية ولتنتقل مليارات الدولارات الى مصارف الغرب وليتحول الأثرياء الروس الى ظاهرة (مسلية) في لندن وباريس ومدريد والمدن الأمريكية وانشاء مستوطنات النعيم الباذخ في لندن غراد وجزر الهاواي وموناكو وغيرها، خلال سنتين جنى أحد أفراد طاقم بوريس يلتسين ثروة قدرت بأكثر من ثلاثة مليارات دولار، في كتابه (بداية كمأساة وأخرى كمهزلة) يروي الفيلسوف الماركسي السلوفيني سلافوي جيجك نكتة جرت في القرن الخامس عشر عندما احتلت روسيا من المغول، كان هناك فلاح وزوجته يمشيان على طريق ريفي مغبر، توقف محارب مغولي على حصان بمحاذاتهما، وقال للفلاح بأنه سيشرع باغتصاب زوجته، وأضاف : لأن هناك الكثير من الغبار على الأرض عليك أن تمسك خصيتي بينما أغتصب زوجتك حتى لا تتلوثا ..ولما أنهى المغولي صنيعه وغادر بدأ الفلاح بالضحك والقفز فرحا فسألته زوجته المندهشة :كيف لك أن تقفز فرحا وأنا قد اغتصبت للتو بوحشية؟ أجاب الفلاح: لكني نلت منه، كسا خصيتيه الغبار) .. تلك هي حصيلة التسعينيات (السعيدة) في روسيا والجمهوريات السوفيتية! تفكك دولة عظمى كانت تشكل سدس مساحة اليابسة وانبعاث النعرات القومية والأصوليات الدينية في مقابل رأسمالية مافيوية ومنظومة من مطاعم البيتزا والوجبات السريعة والكوكاكولا والواجهات الأنيقة لمكاتب البزنس وديمقراطية مزيفة، لنتذكر قصف البرلمان بالدبابات 1993 من قبل يلتسين دون أن يتذكر الغرب جقوق الإنسان وحرمة المؤسسات التمثيلية ومبادىء الديمقراطية التي أراق العبرات من أجلها عقودا، جاء في تقرير الأمم المتحدة 1998 (لم تعان منطقة في العالم من تراجعات في تسعينيات القرن العشرين كما عانته بلدان الإتحاد السوفيتي السابق وبلدان أوربا الشرقية، فالناس الذين يعيشون في فقر قد ازدادوا بما يفوق 150 مليون نسمة وهو رقم أكثر من سكان فرنسا والمملكة المتحدة وهولندا والدول الاسكندنافية مجتمعة وانخفض الدخل القومي بشكل هائل أمام التضخم المالي المنفلت من عقاله الذي لم يسبق أن شهده أي مكان في العالم) ...

لقد كانت ظروف انهيار النموذج الإشتراكي وما رافقها من سيناريوهات وتداعيات من أبرز التغيرات الثقافية والجيوبوليتيكية، وقد جرى الترويج لها على نطاق واسع بما يضعف الإعتقاد بنشوء بديل اقتصادي للرأسمالية، عبر عنه فوكوياما وغيره من منظري الغرب بوصف الرأسمالية النموذج الأرقى للحضارة الإنسانية، وإن ما جرى بعد ثورة اكتوبر 1917 في روسيا ثم تأسيس اتحاد الجمهوريات السوفيتية 1922 وتشكل المنظومة الإشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية ليس إلا استطرادا عابرا في تاريخ الملكية الخاصة والاستغلال والمرحلة الرأسمالية، ومثل ما جابهت الإشتراكية مصيرها استنادا الى الشروط الخاصة للتجارب الاشتراكية في الإتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية وتاريخها المحفوف بالتحديات والأخطار، وفي تزامن مع صعود الليبرالية الجديدة في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وضراوة الهجوم الذي شنّه اليمين الريغاني والتاتشري ضد البلدان الاشتراكية والتجارب التنموية المستقلة في العالم، تعرض نموذج دولة الرفاه الاجتماعي الى تهديد بنقض مكتسباتها ووضعها في دائرة المراجعة والتشكيك بعد استنفاد أغراضها في مواجهة الإشتراكية متعاظمة التأثير والنفوذ بعد الحرب الثانية...

شهدت حقبة التنافس مع الإشتراكية اكتمال التغييرات الهيكلية لبناء نظام رأسمالي عابر للحدود من مظاهرها:

- تطور السوق العالمية وتحولها الى سوق موحد للإحتكارات الراسمالية الكبرى

- تشكل الإحتكارات فوق الوطنية التي حددت هيكلية العلاقات الرأسمالية

- بناء شبكة الإنتاج المعولمة

-التوزيع المعولم للأرباح وأولوية المنافسة على وفق ما تحتاجه العولمة الرأسمالية

أدت هذه التطورات الى تحول وظيفي في بنية الدولة الوطنية لتتحول الى جزء من سلطة عابرة للحواجز الجغرافية الوطنية، وبما يقوّض الأساس الذي قامت عليه دولة الرفاه الاجتماعي، دفع الليبراليون الجدد بمطالب منها تحويل أنظمة الصحة والتقاعد الى سوق رأس المال أي خصخصتها، ورفع حدود سنّ التقاعد وافراغ قوانين العمل من محتواها وإعطاء رأس المال مرونة أكبر في تشغيل العاملين بأجور متدنية، وهكذا يلتقي نضال الأحزاب الشيوعية وقوى اليسار والحركات الإجتماعية ضد تفكيك نموذج دولة الرفاه وضد تغول الليبرالية الجديدة، وفي هذا تلتقي مع كفاح الشعوب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، في علاقة لا تقوم على الهيمنة والإملاءات والابتزاز، بل على الشراكة والمصالح المتبادلة.

 

عرض مقالات: