تُجرى الانتخابات في كل مكان تقريبًا، لكن هذا لا يعني أن الديمقراطية تتقدم، إذ بالنسبة إلى الأنظمة المستبدة، فإن لانتخابات توفر لها المصداقية والوصول إلى المساعدات المالية.

قبل ثلاثين عامًا، بعد انتهاء الحرب الباردة، كانت أجزاء واسعة من العالم تتطلع إلى الغرب كمصدر للإلهام، مع نظرة تشوبها الغيرة من ازدهاره الذي يحسد عليه. ولكن الآن، وفقًا لمنظمة فريدوم هاوس الرسمية، فإن عدد البلدان المحكومة بنظم ديمقراطية في العالم آخذ في التراجع بالفعل للعام الخامس عشر على التوالي.

لا يعني ذلك قلة في إجراء الانتخابات. على العكس تماما، لم يتبق سوى عدد قليل جدًا من البلدان التي لم تجر فيها انتخابات مطلقًا. وقد أبدت الأنظمة المستبدة إعجابًا بهذا الأمر، على الرغم من أنها عادة ما ترتب الأمر بطريقة تجعلها متأكدة من الفوز. “بهذه الطريقة يأملون في اكتساب المزيد من الشرعية لحكوماتهم”، كما يقول دانيال كالينجيرت، الذي أجرى أبحاثًا عن الديمقراطية لصالح فريدوم هاوس ويعمل الآن في كلية بارد في نيويورك. “جميع الدول شبه المستبدة تجري في الوقت الحاضر انتخابات وحتى العديد من الدول غير الحرة تفعل ذلك.”

من روسيا وكوريا الشمالية وإيران إلى كثير من البلدان في أماكن أخرى في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، تُجرى انتخابات أو شيء يشبه ذلك على الأقل. وغالبًا ما يسيطر القادة على وسائل الإعلام، وإذا لزم الأمر يسجنون سياسيي المعارضة مع بعض الترهيب للناخبين ليتمكنوا عادةً من الحصول على النتيجة “المناسبة”. في بلد مثل زيمبابوي، هناك تلميحات في مثل هذه الحالات إلى أن المنازل ستُحرق إذا لم يصوت الناس للرئيس أو لحزبه. يسمى هذا الأسلوب بـ “هز علب الثقاب”. إنه ناجح لأن الكثيرين ما زالوا خائفين من هجمات الحرق المتعمدة المدمرة السابقة ذات التوجه السياسي. وإذا لزم الأمر، فإنهم يزوّرون نتائج الانتخابات.

قال عالم السياسة البريطاني نيك تشيزمان، الأستاذ بجامعة برمنغهام والمؤلف المشارك لكتاب “كيف تزوّر الانتخابات”: “بالنسبة إلى الزعماء المستبدين، يمكن أن تكون الانتخابات وسيلة لجعل أنظمتهم أكثر استقرارًا”. “إذا لعبتَ الأمرَ بشكل مفيد قليلاً، يمكنك تقسيم المعارضة في بلدك “. والمثال الكلاسيكي على ذلك هو الرئيس الكيني موي الذي تمكن في التسعينيات من تقسيم المعارضة الموحدة باستراتيجية مدروسة.

تحب الأنظمة المستبدة الانتخابات لأنها تزيد من مصداقيتها الدولية. إذ يسهل عليها هذا التأهل للحصول على المساعدات المالية. يقول تشيزمان، المتخصص في شؤون إفريقيا: “في بلدان مثل إثيوبيا ورواندا، يتم التلاعب بالانتخابات بشكل متكرر على نطاق واسع”. “يواصل الرئيس الرواندي كاغامي الانتصار بأغلبية غير معقولة. ومع ذلك، فهو ليس مستبعدًا دوليًا تقريبًا مثل إريتريا، على سبيل المثال، التي لا تجري انتخابات”.

 انتخابات مزيفة

 من خلال رفض الغرب انتقاد أنظمة مثل نظام كاغامي بسبب مثل هذه الانتخابات المزيفة، يقول تشيزمان إن الغرب يقوض مصداقيته ومصداقية الديمقراطية التي يروج لها. “إذا كنت تدعم بنشاط المعارضة في فنزويلا لأن الانتخابات لم تكن نزيهة، ولكن ليس في رواندا أو أوغندا، حيث أصبح الرئيس الأوتوقراطي موسيفيني حليف مفيد للغرب ضد الإرهاب، فسوف يلاحظ الناس أنك تكيل بمعايير مزدوجة وتعرف دول مثل روسيا والصين كيف تستغل ذلك جيدًا. هذا التناقض ضار للغاية “.

كما خسر الغرب، في بعض الحالات، الفضل في الديمقراطية من خلال الضغط من أجل إجراء انتخابات في دول لم تكن ظروفها ناضجة لها. يقول تشيزمان: “إذا قمت بذلك على عجل، كما هو الحال في أفغانستان والصومال، فإن الانتخابات يمكن أن تخلق مشاكل أكثر مما تحل”. هناك شيء مشابه يلوح في الأفق الآن في ليبيا، حيث من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في 24 كانون الأول| ديسمبر*. لم تتفق الأحزاب بعد على قانون الانتخابات ولا تزال البلاد تعج بالميليشيات المسلحة التي أوضحت أنها لن تقبل سوى فوز مرشحها. لذلك يبدو من المحتمل أن تندلع معارك جديدة.

يدرك كالينجيرت أيضًا أن الانتخابات يمكن أن تأتي بنتائج عكسية إذا لم يدرك الخاسرون النتيجة**. في الوقت نفسه، يشير إلى أن الانتخابات غالبًا ما تكون أهون الشرين. “يبقى السؤال: وإلا كيف ستختار القادة؟” في الانتخابات، يحصل المزيد من الناس على فرصة لاختيار ما يفضلونه. “في أفغانستان، بدون انتخابات، يكون البديل مجلس شيوخ القبائل، في حين حصلت النساء والشباب على فرصة التصويت”.

المفاجآت غير مستبعدة أبدا

على الرغم من ذلك، لا يمكن استبعاد المفاجآت في الانتخابات، كما يقول كالينجارت. في دولة سريلانكا المستبدة بشكل متزايد، خسر الرئيس آنذاك راجاباكسا بشكل مفاجئ أمام منافسه في عام 2015، وفي زامبيا هزم مرشح المعارضة هاكايندي هيشيليما هذا الصيف الحاكم المستبد إدغار لونغو حيث كانت النتيجة مفاجأة للجميع. في ليبيريا وسيراليون، بعد الانتخابات التي أعقبت حربًا أهلية طويلة، بدأت عملية التحول الديمقراطي.

هناك اتجاه جديد مقلق من المنظور الغربي، تمثل في أنه بعد الانتخابات التي تواجه في حد ذاتها اختبار النقد، بدأت الحكومات في تغيير مسارها، كما هو الحال في المجر وبولندا والهند والبرازيل. فهي توسع صلاحيات الحكومة وتؤثر على استقلالية القضاء وتحد من حرية الصحافة. يقول كالينجارت: “الديمقراطية تتآكل من الداخل”.

ومع ذلك، يعتقد كالينجيرت وتشيزمان أن المستقبل للديمقراطية. وفقًا لـتشيزمان، يبدو أن الدول الديمقراطية تتطور بشكل أفضل على المدى البعيد من الدول ذات النظم المستبدة. يقول كالينجايرت: “تحاول دولة مثل الصين، بالطبع، إبراز قوتها الاقتصادية في الخارج، لكن ليس لديها نموذج يمكنها تصديره، ولا توجد لديها خلفية أيديولوجية يمكنها أن تلهم الآخرين بها. إنها مجرد دولة يحكمها أشخاص أقوياء”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* تم تأجيل الانتخابات وليس من المعروف متى تجرى.(المترجم)

** هذا الوضع ينطبق على الأحزاب التي تراجعت نتائجها كثيرا في انتخابات مجلس النواب العراقي والتي جرت في 10 تشرين الأول 2021، إذ رفضت النتائج وهددت بالتصعيد والآن يبدو أنها قبلت بالأمر الواقع بعد مصادقة المحكمة الإتحادية على نتائج الانتخابات.(المترجم)

الترجمة عن: NRC Handelsblad, 8 december 2021