بدايةً يسعدني ان ازف اعمق التهاني الرفاقية القلبية الحارة لصحيفة “طريق الشعب” في عيدها الستيني، وكذلك لكل المحررين والعاملين فيها، لقد لعبت هذه الصحيفة المناضلة، سواء بمسماها القديم خلال سني العمل السري، ام خلال سني عملها العلني القصيرة دورا محوريا من جانبين مترابطين: الاول يتمثل في توعية الجماهير المتعلمة بمصالحها الطبقية والسياسية، وبخاصة العمال والفلاحين وسائر الطبقات المسحوقة، فضلا عن المثففين والطلبة ممن ينحدرون غالبا من تلك الطبقات، والثاني يتمثل في دورها المساعد في استقطاب العديد من الاعضاء الجُدد للحزب. 

شخصيا تعود ذاكرتي الى “طريق الشعب “ حينما كنت طالبا جامعيا لا يتجاوز عمري 19 عاما عند ما استلمتها لاول مرة في اول عطلة صيفية جامعية بعد عودتي من القاهرة للوطن عام 1973 او 1974 وجذبني بشدة جمال ترويستها الاخاذ وما تتضمنه الصحيفة من موضوعات حيوية في مختلف القضايا التي تهم الشعب العراقي والعالم العربي والعالم وفق نهج طبقي وطني تقدمي اممي واضح المعالم . وفي شتاء السنة التالية1974 او 1975 واثناء زيارتي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب الذي كان يُنظّم حينذاك في الجزيرة بالجيزة،  اتذكر باني دلفت فور دخولي المعرض الى الجناح الرسمي للصحافة التي تصدر باسم النظام الدكتاتوري السابق، وكنت واهما بان وجود مصالحة وطنية  جبهوية بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث الحاكم كفيلة بان يكون هذا الاخير امينا صادقا في عرض صحيفة “حليفه الاستراتيجي”   “ طريق الشعب”  الى جانب ما يعرضه من صحف ومجلات عراقية اخرى من يومية واسبوعية وشهرية وفصلية تمثل خطه، او ثقافية وادبية عامة كالمورد الفصلية، لكن  لم اجد لها اثرا فخاب املي ومسعاي! وبالرغم من ان صاحب الجناح البعثي الذي استقبلني بحفاوة حاول عبثا مرات مساعدتي فيما ابحث عنه بعد ان عرض علي ماهو متوافر من صحافة بعثية كالجمهورية والثورة الا اني اعتذرت بلطف عن استلام اي منها،  باستثناء المجلات ذات الطابع الثقافي العام ، وبعد الحاح شديد من جانبه وتردد طويل من جانبي،  وبعدان ساورني لوهلة وهم بوجود ربما ثمة عدد او اكثر من الاعداد اليتيم  المتبقية بعد نفادها مخباة لديه في الجناح، قلت له : اني ابحث عن صحيفة “طريق الشعب”. فما كان منه الا ان نظر لي شذرا مذرا مسددا لي شرار عينيه الغاضبتين وطردني من الجناح شر طريدة متبوعة بشتيمة باللهجة العراقية، ومازال الى اليوم احد الرفاق من زملائي الطلبة ممن حكيت له هذه الحكاية يُذكّرني ضاحكا بها  -من باب المزاح- كلما التقاني. بعد ذلك صرت لا اتمكن من الحصول على بعض اعدادها الا من نفس المصدر المذكور في العطلات الطلابية التالية، وبعد تخرجي عام 1976 صرت اتلقى اعدادا قليلة منها بين الفينة والاخرى مطوية الى اصغر حجم بسب مناخ العمل السري وذلك طوال سنة او سنتين فقط، اذ سرعان ما احتجبت الصحيفة بسبب الهجمة القمعية الوحشية  الدموية على الحزب اواخر سبعينيات القرن الماضي .

ومنذ بداية اصدارها العلني الاخير بعد سقوط النظام السابق، فقد اضحت “طريق الشعب “ تحت متناول يد كل مهتم بها بفضل الانترنيت واختراع وتطور وسائل التواصل الاجتماعي. وفي تقديري بان الفترة التي لعبت فيه الصحيفة دورا نضاليا تاريخيا في منتهى الاهمية منذ عودة اصدارها الجديد هو ابان اوج تفجر الانتفاضة التشرينية 2019 قبل تفشي وباء كورونا. فقد كانت بحق طوال شهورها الاولى قبل انحسارها النسبي بسبب الوباء صوت الانتفاضة ولسان حالها والمعبر الاول عنها، ولا يُقدّر حجم التفاني الكبير الذي يجترحه ويبذله رئيس التحرير ومعه كتيبة المحررين والعاملين في الصحيفة والذي كان ظاهرا من تنوع مواد كل عدد من اعدادها المخصصة بمعظمها للانتفاضة، اقول لا يقدر مثل ذلك الجهد المتفاني بصمت الا من له خبرة العمل داخل المطبخ الصحفي، ككاتب هذه السطور.

والحال لم يكن غريبا ان تنال “الانتفاضة التشرينية”  كل هذا التقدير والاهتمام البالغين  من قِبل” طريق الشعب”، ذلك ان هذه الانتفاضة لئن صح في تقديري واجتهادي المتواضع كانت وما زالت اول انتفاضة سلمية جماهيرية في تاريخ العراق ذات مضمون طبقي واضح ، ويمكنك ان تستجليه من وجوه معظم فتيتها وشبيبتها المنتفضين البواسل ، اذ يشكل المسحوقون والمهمشون المنحدرون من العوائل العمالية والفلاحية وعامة العوائل المعدمة سوادها الاعظم، وبشعارات واقعية في مطالبها المعيشية والديمقراطية من اجل الحياة الكريمة في وطن لطالما عاث فيه فسادا في سنوات قليلة المفسدون ما لم تعثه كل الانظمة الدكتاتورية منذ تاسيس الدولة العراقية قبل قرن من الزمن. ومن يجيد التفرس جيدا في الوجوه سيجد حتما ثمة فرق واضح في قسمات وسحنات وجوه شباب الانتفاضة التشرينية الثائر المتفجر غضبا صادقا وبين قسمات وسحنات شباب شتى المظاهرات الاخرى التي لا تندرج ضمن فعاليات الانتفاضة التشرينية سواء في الماضي ام في وقتنا الراهن.

نكرر التهاني الحارة لصحيفة الكادحين والمعدمين “طريق الشعب”  صحيفة “الانتفاضة التشرينية”  الباسلة التي اذ هي- الانتفاضة - في استراحة المحارب،  فانها تتاهب لانطلاقتها الثانية لمواصلة معاركها ضد نظام المحاصصة الفاسد حالما تنقشع الجائحة حتى تتحقق كامل مطالبها ومطالب  الشعب العراقي عامةً ..  وعقبال عيدها المئوي.  

عرض مقالات: