تتزايد الأسئلة بشأن حدود العلاقة بين الاستثمار وجودة التعليم الاهلي في العراق، وحول ما اذ كان التوسع في الجامعات والكليات قد أسهم في تطوير مخرجات التعليم العالي، أم فتح الباب أمام تحويل الشهادة إلى سلعة وسوقٍ تحكمه القدرة على الدفع؟
وبينما تؤكد الجهات الأكاديمية أهمية الرقابة والاعتماد ومعايير الرصانة العلمية، تبرز مخاوف تتعلق بتفاوت مستويات المؤسسات التعليمية، وتضخم أعداد الخريجين في بعض التخصصات، فضلا عن ارتباط بعض المؤهلات بامتيازات وظيفية ومالية قد تجعل الحصول على الشهادة هدفا بحد ذاته.
العلاقة بين الربحية والجودة
يرى الأكاديمي مرتضى ناصر في حديث لـ"طريق الشعب"، انه "لا يمكن إنكار أن التعليم الأهلي أصبح جزءا اساسيا من منظومة التعليم العالي، وأن وجوده يرتبط بالاستثمار، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الاعتبارات المالية أقوى من الاعتبارات الأكاديمية، وعندما يتحول الطالب من متلق للمعرفة إلى مجرد مصدر للإيرادات".
ويضيف ان "الجامعة الأهلية من حقها أن تحقق عائدا اقتصاديا، فهذا جزء من طبيعة الاستثمار لكن هذا الربح يجب ألا يأتي على حساب جودة التعليم. هناك فرق كبير بين الاستثمار في التعليم وبين التعامل مع التعليم كسلعة هدفها الأساسي تحصيل الرسوم".
ويشير ناصر إلى ان معيار الحكم الحقيقي يجب ان يكون في مستوى المخرجات التعليمية، مضيفا "إذا كانت الجامعة تمتلك كوادر أكاديمية مؤهلة ومختبرات حقيقية ومناهج محدثة وبيئة بحثية ونظاما مناسبا لتقييم الطلبة، فلا يمكن اختزالها بأنها مؤسسة تجارية لمجرد كونها أهلية".
ويردف: "لكن في المقابل إذا أصبح التركيز على زيادة أعداد الطلبة والرسوم الدراسية أكبر من الاهتمام بالطاقة الاستيعابية، والكوادر التدريسية والمختبرات والبحث العلمي، فهنا يجب أن تطرح اسئلة جدية حول العلاقة بين الربحية والجودة".
ويؤكد أن مصطلح "تجارة الشهادات" يجب التعامل معه بحذر، مبينا ان "الشهادة الجامعية ليست ورقة يحصل عليها الطالب مقابل دفع الرسوم وإنما يفترض أن تكون نتيجة سنوات من الدراسة والتقييم واكتساب المعرفة والمهارات، لذلك فإن اي تساهل في معايير النجاح او التقييم يضر أولا بسمعة المؤسسة ثم يضر بالخريج والمجتمع وسوق العمل".
ويضيف ناصر بالقول: "نحن لا نحتاج إلى إلغاء الاستثمار في التعليم الأهلي بل نحتاج إلى تنظيمه، والمطلوب هو أن يكون الاستثمار وسيلة لتطوير التعليم وليس غاية بحد ذاته. والفيصل في النهاية ليس مقدار الرسوم التي يدفعها الطالب، وإنما مقدار المعرفة والمهارة التي يحصل عليها ومدى قدرة الخريج على المنافسة في سوق العمل.
ويؤكد ان "الرقابة والاعتماد الأكاديمي والتقييم المستمر يجب أن تكون أدوات حقيقية وليست مجرد إجراءات إدارية، لأن جودة التعليم العالي تنعكس مباشرة على جودة الكوادر التي ستقود مؤسسات الدولة والمجتمع في المستقبل".
تطوير اساليب تقييم حملة الشهادات
وقال الأكاديمي د. حسن فخر الدين، تدريسي في جامعة الامام الصادق في محافظة النجف، لـ"طريق الشعب"، أن الشهادة العليا ينبغي أن تُقاس بما تضيفه من المعرفة والتخصص، وليس بمجرد صحة الوثيقة من الناحية الشكلية.
وشدد على ضرورة تطوير اساليب تقييم حملة الشهادات العليا في الجامعات والمؤسسات العراقية، مبينا أن الاعتماد على المقابلات الفردية وحدها قد لا يكون كافيا، لأنها قد تقيس الانطباع العام عن المتقدم اكثر مما تكشف حقيقة قدرته البحثية والعلمية.
ونبّه فخر الدين الى أن التقييم الأكثر موضوعية ينبغي ان يستند لمجموعة من المؤشرات العلمية، في مقدمتها فحص الأطروحة أو الرسالة الجامعية، ودراسة مستوى وجودة النشر العلمي، فضلا عن اختبار القدرة على توظيف المعرفة في المجال التطبيقي.
وأكد أن هذا الأمر يكتسب أهمية أكبر في التخصصات التي ترتبط بصورة مباشرة بحياة المواطنين وسلامتهم، وفي مقدمتها التخصصات الطبية والهندسية وغيرها من الحقول العلمية والتقنية.
كما دعا لوضع معايير أكثر وضوحا بشأن الجامعات التي يمكن اعتمادها كمؤسسات رصينة لدراسة الطلبة العراقيين، من خلال الاستناد للتصنيفات العالمية الموثوقة والمعايير الأكاديمية المعترف بها، بما يسهم في رفع مستوى المخرجات العلمية والحد من الفوارق الكبيرة في جودة الشهادات القادمة من مؤسسات تعليمية مختلفة.
وفي ما يتعلق بالجانب المالي والامتيازات المرتبطة بالشهادات العليا، أشار حسن الدين إلى أن الربط المالي يمكن أن يكون حافزاً حقيقياً للتطوير عندما يقترن بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، لكنه قد يتحول في البيئة العراقية إلى دافع للحصول على المؤهل بوصفه امتيازاً وظيفياً، بدلاً من أن يكون وسيلة لإنتاج المعرفة وتطوير الأداء المؤسسي.
وأكد أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب أن تحدد الدولة احتياجاتها من حملة الشهادات العليا وفق متطلبات العمل الفعلية لكل وزارة ومؤسسة، من خلال دراسة حجم المهام البحثية، وطبيعة المشكلات الفنية والتقنية التي تواجهها، ومدى تأثير توظيف الكفاءات الأكاديمية المتقدمة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
واختتم فخر الدين بالتأكيد على ان جدوى التعليم العالي لا تقاس بعدد الشهادات أو الألقاب الأكاديمية، وإنما بقدرة أصحابها على تحويل المعرفة إلى حلول ومشاريع تطويرية ذات نتائج ملموسة، داعيا لربط المؤهلات العلمية بمشاريع محددة ومؤشرات أداء ونتائج قابلة للقياس، بعيدا عن اختزالها باللقب الوظيفي او المحسوبية او الامتيازات التي قد تفقد الشهادة قيمتها العلمية الحقيقية.
استثمار في التعليم أم في الشهادة؟
من جانبه، يذكر الباحث الاقتصادي عبد الله نجم ان "الجامعة عندما تتحول لمشروع هدفه تعظيم الإيرادات قبل تعظيم المعرفة، فنحن أمام خلل حقيقي في فلسفة التعليم"، مبينا ان " المشكلة ليست في أن يحقق المستثمر أرباحا وإنما في أن يتحول الطالب إلى مصدر دخل، والشهادة إلى منتج يُباع".
ويؤكد نجم لـ"طريق الشعب"، ان "التوسع العشوائي في بعض التخصصات من دون ربطها بحاجات سوق العمل يعني أننا لا ننتج فرصا بقدر ما ننتج أعدادا جديدة من الخريجين، أمام سوق عمل محدود".
ويضيف ان "السؤال الأهم ليس كم جامعة أهلية لدينا، وإنما ماذا تقدم هذه الجامعات مقابل الأموال التي يدفعها الطلبة؟ إذا لم تكن الرسوم تنعكس على جودة التعليم والمختبرات والكادر والبحث العلمي، فمن حق المجتمع أن يسأل: هل نحن أمام استثمار في التعليم أم استثمار في الشهادة؟".