اخر الاخبار

حصر السلاح والضغوط بلا حدود

نشر موقع "أمواج" البريطاني تقريرًا عن مشكلة حصر السلاح بيد الدولة في العراق، ذكر فيه أن مسار تنفيذ الخطة يزداد تعقيدًا كلما اقترب موعد الثلاثين من أيلول، الذي حددته الحكومة العراقية لإتمام حل هذه المشكلة، حيث شهدت بغداد زيارات لمسؤولين إيرانيين وأمريكيين وسعوديين رفيعي المستوى، حملوا معهم رسائل ومطالب مختلفة لرئيس الحكومة، علي الزيدي، فيما تعمقت الانقسامات بين الفصائل المسلحة نفسها حول ما إذا كان ينبغي لهذه الفصائل تسليم أسلحتها والاندماج بصورة أكبر في القوات المسلحة العراقية، وتحت أي شروط. ولهذا، لم تعد المهلة المرتقبة مجرد قضية أمنية داخلية، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الحكومة على التوصل إلى تسوية تراعي مطالب واشنطن والقوى الإقليمية المتنافسة، مثل الرياض وطهران، مع تجنب الدخول في مواجهة مع الفصائل القوية داخل البلاد.

ضغوط من جميع الجهات

وذكر التقرير أن بغداد استضافت خلال الأسابيع القليلة الماضية رئيس الاستخبارات السعودية، وقائد فيلق القدس الإيراني، وقائد القيادة المركزية الأمريكية، ورئيس مجلس الشورى الإيراني، وذلك لبحث مستقبل الوجود العسكري الأمريكي، وجهود بغداد لإخضاع الأسلحة لسيطرة الدولة، ومحاولة التنسيق مع العراق بشأن مستقبل المنطقة، وفق تصورات كل طرف.

ونقل التقرير عن مسؤول عراقي مطّلع على الاجتماعات التي جرت مع الضيوف قوله إن الرسائل التي حملها كل من هؤلاء المسؤولين كانت أكثر حدة بكثير مما أوردته وسائل الإعلام. فالمسؤول السعودي وضع خطًا أحمر تجاه أي هجمات على بلاده تُشن من الأراضي العراقية، لأن ذلك قد يؤدي إلى رد عسكري آخر. أما القائد الأمريكي، فأوضح بصورة خاصة أن الانسحاب العسكري الأمريكي مرتبط بنزع السلاح من الفصائل المسلحة، وهو إجراء حذّر المسؤولان الإيرانيان منه بشدة، عارضين المساعدة في إدارة العملية بصورة تدريجية.

كما نقل الموقع عن مصدر إيراني مطّلع كان برفقة رئيس مجلس الشورى خلال زيارته إلى بغداد، نفيه أن تكون طهران قد عرضت مقترحًا لنقل أسلحة الفصائل إلى الأراضي الإيرانية، مؤكدًا أنها لا تملك القرار نيابة عن حلفائها، وأنها منفتحة على التعاون الإقليمي ومستعدة لاستخدام جميع الوسائل المتاحة لتعزيز الاستقرار لجميع الأطراف.

ويرى المراقبون أن كل هذه اللقاءات فرضت ضغوطًا شديدة على رئيس الحكومة، وأدخلته ــ كما يبدو ــ في حلقة مفرغة؛ ففي حين تتمسك الفصائل بأهمية أسلحتها ما دامت القوات الأجنبية موجودة في العراق، تؤكد واشنطن أن قواتها لا تستطيع الانسحاب بشكل كامل ما دامت هناك جهات مسلحة ــ خارج السيطرة الكاملة للدولة ــ قادرة على استهداف أفراد أمريكيين.

الخيارات المُرّة

وفي ظل هذه المعطيات، اعتبر التقرير أن كسر هذه الحلقة أصعب بكثير من مجرد الالتزام بالمهلة المحددة لنزع السلاح، إذ قد يتسبب ذلك في مواجهة داخلية أو انتقام خارجي، ويقوّض الاستقرار نفسه الذي يُفترض أن تعززه حملة نزع السلاح. ومن جهة ثانية، سيضر تأجيل المهلة بمصداقية الزيدي بعد أن جعل هذه القضية محورًا أساسيًا في أجندته لبناء الدولة، كما سيقوّض ثقة الرياض وواشنطن به وبحكومته التي لم يكتمل تماسكها بعد.

ونوه التقرير إلى وجود خيار ثالث أمام العراق، يتمثل في دمج الفصائل المسلحة من دون نزع حقيقي للسلاح، عبر تحديث قانون دمج هيئة الحشد الشعبي في القوات المسلحة العراقية، في محاولة لتوفير إطار قانوني قد يرضي الفصائل الأكثر استعدادًا للتكيف، من دون إجبار الجهات الأكثر تشددًا على مواجهة حاسمة في الوقت الحالي.

واستدرك التقرير بالقول إنه من غير الواضح أيًّا من هذه الجهود سيعالج مخاوف واشنطن وطهران والرياض، خاصة أن بقاء هياكل القيادة الحالية للحشد الشعبي، وولاءاته السياسية، وقدراته العسكرية المستقلة داخل مؤسسات الدولة، قد يؤدي إلى مأسسة المشكلة بدلًا من حلها.

وخلص التقرير إلى أن النتيجة الأكثر ترجيحًا هي عملية دمج جزئية، مع تأجيل قضايا نزع السلاح الأكثر إثارة للجدل إلى أجل غير مسمى أو تنفيذها بصورة تدريجية، بما يسمح للحكومة بتقديم التأخيرات باعتبارها إجراءات تنظيمية وليست قرارات سياسية. فالاختبار الحقيقي للزيدي لا يتمثل في قدرته على جمع الأسلحة بحلول تاريخ محدد، وإنما في قدرته على ترسيخ احتكار الدولة للسلاح من دون إشعال الصراع.